فاروق الدسوقي يكتب: أخيرا.. تنفس أبطال متاهة النكران
الزمن لا ينسى، لكنه أحيانا يتعمد الاختباء في الظلال، ونحن وحدنا من نقرر، هل نمد أيدينا إلى العتمة، أ م نكتفي بالضوء السهل الذي لا يجرح العين ولا الذاكرة؟ هذا بالضبط ما رفضه الباحث ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران»، لم يغمض عينيه عن المناطق المعتمة في الوعي الوطني، ولم يتعامل مع التاريخ بوصفه نصا مغلقا، لكن كجرح مفتوح. أعاد الحياة لمن انزلقوا إلى الهامش، لمن حملوا الثورة في أجسادهم ودمائهم، ثم تركوا خلف السطور، كأنهم عبء على الرواية الرسمية لا جزء منها. كنت شاهدا على ولادة هذا الكتاب. رأيت الشيمي وهو يقضي سنوات يلاحق الأسماء كما يلاحق المرء أقاربه المفقودين، اتصالات لا تنتهي، سفر بين القرى والمدن، شهادات متناقضة، وثائق صامتة، ومحاولات مستمرة لإنقاذ أسماء قبل أن تختفي نهائيا من الذاكرة. لم يكن ما يفعله مجرد بحث تاريخي، بل مقاومة صريحة لطريقة تذكرنا لأنفسنا، فالمشكلة، كما يكشف الكتاب دون أن يصرح، لم تكن في الاحتلال وحده، إنما في الكيفية التي اختصرنا بها الثورة، وفي استعدادنا الدائم لتبديل البشر بالرموز. وقبل أن نقرأ الحكايات، نشعر ببصمة الشيمي في كل س...