فاروق الدسوقي يكتب: أخيرا.. تنفس أبطال متاهة النكران
الزمن لا ينسى، لكنه أحيانا يتعمد الاختباء في الظلال، ونحن وحدنا من نقرر، هل نمد أيدينا إلى العتمة، أم نكتفي بالضوء السهل الذي لا يجرح العين ولا الذاكرة؟
هذا بالضبط ما رفضه الباحث ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران»، لم يغمض عينيه عن المناطق المعتمة في الوعي الوطني، ولم يتعامل مع التاريخ بوصفه نصا مغلقا، لكن كجرح مفتوح.
أعاد الحياة لمن انزلقوا إلى الهامش، لمن حملوا الثورة في أجسادهم ودمائهم، ثم تركوا خلف السطور، كأنهم عبء على الرواية الرسمية لا جزء منها.
كنت شاهدا على ولادة هذا الكتاب.
رأيت الشيمي وهو يقضي سنوات يلاحق الأسماء كما يلاحق المرء أقاربه المفقودين، اتصالات لا تنتهي، سفر بين القرى والمدن، شهادات متناقضة، وثائق صامتة، ومحاولات مستمرة لإنقاذ أسماء قبل أن تختفي نهائيا من الذاكرة.
لم يكن ما يفعله مجرد بحث تاريخي، بل مقاومة صريحة لطريقة تذكرنا لأنفسنا، فالمشكلة، كما يكشف الكتاب دون أن يصرح، لم تكن في الاحتلال وحده، إنما في الكيفية التي اختصرنا بها الثورة، وفي استعدادنا الدائم لتبديل البشر بالرموز.
وقبل أن نقرأ الحكايات، نشعر ببصمة الشيمي في كل سطر، في اختياراته، في صمته المتعمد أحيانا، وفي تلك المسافة الأخلاقية التي يتركها بينه وبين أبطاله.
لم يمنحهم صوتا فقط، لكنه أعاد إليهم حق التنفس داخل النص، نراهم أحياء بين الحروف، يصرخون، يترددون، يخافون، ويخطئون، ثم يمضون مرة أخرى.
في شوارع القاهرة القديمة، حيث الغبار يلامس الجدران العتيقة، ما زالت الأرض تحفظ صدى خطوات من قاوموا، كل حجر هناك شاهد، حتى وإن أنكرت الكتب شهادته.
وسط هذا المشهد، تمشي حميدة خليل «أول شهيدة» في ثورة 1919، خطواتها ثابتة، لكن قلبها يعرف الخطر، نظرتها حادة، وصوتها أعلى من الخوف، لا يكتفي الشيمي بسرد سقوطها برصاص الاحتلال الإنجليزي أمام مسجد الحسين في 14 مارس 1919، لكنه يجعل القارئ حاضرا في اللحظة نفسها، لحظة ارتطام الجسد بالأرض، ولحظة إدراك أن الدم، أحيانا، أصدق من أي سجل رسمي.
لم تكن حميدة مجرد شهيدة، كانت شرارة، منها انطلقت المظاهرات النسائية لتكتب فصلا جديدا في تاريخ الثورة، وتقول إن الثورة لم تكن شأن الرجال وحدهم.
وعلى بعد آلاف الأميال، في لندن الباردة، يقف «الصحفي الثائر» قرياقص ميخائيل حاملا رسائل الثورة، يطرق أبواب الصحافة والمثقفين، لا ليشرح، إنما ليصرخ باسم مصر، وهناك، بعيدا عن الميدان، تثبت الثورة أنها لم تكن حدثا محليا، لكن قضية تبحث عن لغة يفهمها العالم، وأنها انتفاضة عابرة للحدود، تحملها الكلمات كما تحملها البنادق.
في قرية نزلة الشوبك، سقطت «أيقونة ملحمة الشوبك» عزيزة خضير برصاص العدو، فكان سقوطها هو الشرارة التي فجرت الغضب، فاندفع الأهالي لمواجهة المحتل بالفؤوس والعصى، وأحرقوا قلوب الإنجليز، قبل أن يحرقوا معسكراتهم، لم تحتفظ القرية باسمها طويلا، لكن الكتاب أعادها تمشي بين السطور، كما مشت يوما بين البيوت.
في الإسكندرية، يقف «شيخ الفدائيين» أحمد رمضان زيان شامخا، ينظم، يخطط، ويقود العمل الفدائي، ويحول المدينة إلى مساحة مقاومة مفتوحة، لم يكتب اسمه في كتب التاريخ الرسمية، لكن الشيمي استرجع له الحق في أن يعيش، أن يحيا في كل حجر من شوارع المدينة، وفي كل قصة تروى عن الصمود.
وفي غرف القاهرة المغلقة، يخطط الرجل الذي كانت الثورة تتحرك باسمه دون أن يظهر في الصورة، عبد الرحمن بك فهمي، العقل السري للثورة، ينسق الإضرابات، يدير العمليات، ويمنع التفكك في لحظات كان الانهيار فيها أقرب من النصر.
بين المدن، يتحرك «بعبع الإنجليز» أحمد عبد الحي كيرة يحمل الرسائل، يبتسم في وجه الخطر، ويعرف أن حياته ثمينة، لكنه لا يتراجع.
وحتى الأطفال، مثل يوسف القباقيبي، وقفوا أمام البنادق دون حسابات، ليتركوا سؤالا لا يزال بلا إجابة، لماذا لم يظهروا في السرد الرسمي؟
تسربت أسماؤهم من الذاكرة كما يتسرب الماء من بين الأصابع، لكن «متاهة النكران» أعادهم بشرا كاملين، لا قديسين ولا أساطير، يخافون، يحبون، يترددون، ثم يختارون.
يقدّم الكتاب الثورة بوصفها تجربة حية، لا ذكرى جامدة، ويكشف حجم الظلم الذي لحق بجماعة من أبناء هذا الوطن، كتبوا أسماءهم بدمهم، ثم تركوا عالقين في متاهة طويلة من الجحود.
يجمع الشيمي سير عشرين بطلا، فرقت بينهم التفاصيل، ووحدهم حب مصر، حلمهم كان بسيطا وعظيما، مصر حرة، ولا شيء أقل، لكن المفارقة القاسية أن مكافأتهم لم تكن الاعتراف، بل الإقصاء.
ولم يأت الجحود من العدو وحده، إنما من شركاء اختصروا الثورة في صور، والتاريخ في أسماء قليلة، والوطن في رواية يمكن التحكم فيها.
لا يستعيد هذا الكتاب الذكرى فقط، لكنه يضع إصبعه على جرح لا نحب النظر إليه، فالثورات لا تهزم حين تقمع، لكن عندما تختصر، والتاريخ لا يخون أبطاله مرة واحدة، لكنه يخونهم كلما قررنا أن ننسى الطريق، ونكتفي بالنتيجة.
وإذ يتجاوز «متاهة النكران» كونه كتابا عن ثورة 1919، يتحول إلى مرآة قاسية لوعينا الوطني، وإلى سؤال مفتوح حول معنى البطولة، ومن يملك حق توزيعها.
ويبقى الخروج من هذه المتاهة، مرهونا بقدرتنا على التحديق طويلا في الظل، لا هروبا منه، إنما اعترافا به، فربما لم تكن المشكلة أن هؤلاء سقطوا من التاريخ، بل أننا تعلمنا أن نكتب تاريخا يمكن أن يسقط منه البشر بسهولة.

تعليقات