المشاركات

مشاركة مميزة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

صورة
  في ليالٍ طويلة ، عندما كانت تضيق بي الأرض، ويُطبق الصمت على صدري، كان صوتكِ يناديني: «ونفضل نرقص، نرقص، نرقص لما العالم يفنى ويخلص»، وكأنكِ تذكرينني بأن للحياة وجهًا آخر غير الحزن. كنتِ تأتين في اللحظة الأخيرة، حين ي كاد اليأس أن يُحكم قبضته وينتصر عليّ، تهمسين لي بأمل جديد: «أنا وإنت حالة خاصة جداً، حالة مش موجودة فعلاً، ومفيش في حياتنا أصلاً، يا حبيبي عذاب»، كأنكِ تعديني بأن الغد سيكون أجمل، وأن الألم ليس قدري الأخير. وفي لحظات الانكسار وخيباتي الكبرى، كان صوتكِ يعلو في أذني: «أنا عايزة نفسي، حتى لو كل اللي باقي منها صوت، ما أنا لو هكمل حياتي بيك، من غير ما ييجي الموت، هموت»، كأنكِ تبوحين بما يجول في خاطري، بصوتٍ يمتلك قدرة عجيبة على تهدئة الوجع، وجعل الألم أقل حدّة. الفنانة الكبيرة أنغام كم يوما ظننتُ فيها أن الحكايات انطفأت، ونامت على أعتاب الخذلان، وصار  الحبّ زائرًا مؤقتًا، فجاءت كلماتكِ لتوقظ الحلم: «حلمت تشوفني بالطرحة، ولون قلبي على الفستان، بجد هموت من الفرحة، طب احكي كمان، عن الأيام وعن بُكره، وعن كل اللي بحلم بيه، وبيت فوق السحاب نبنيه ونسكن فيه»، لتُعيدي التذكير...

فاروق الدسوقي يكتب: الهزيمة التي انتصرت فيها مصر

صورة
  لم أعد أذكر هل كنت أتنفس بانتظام أم كنت أحبس الهواء في صدري مع كل هجمة مصرية، كل ما أذكره أنني جلست أمام الشاشة، لكنني في الحقيقة كنت جالسا داخل قلب مصر نفسها، لم تكن مباراة عادية، كان منتخب مصر يواجه الأرجنتين، بطل العالم، والناس تعرف حجم الفارق في التاريخ والخبرة والأسماء، ومع ذلك، لم أشعر منذ الدقيقة الأولى أننا ذاهبون لنؤدي دور الضيف الخائف، كان هناك شيء مختلف في وجوه اللاعبين، شيء يشبه العناد الهادئ الذي يسبق المعارك الكبيرة. هناك لحظات ننسى فيها أن المستطيل الأخضر مجرد مساحة من العشب، وأن الكرة ليست سوى جلد منفوخ بالهواء، لحظات يتحول فيها كل شيء إلى معنى أكبر، فيصبح القميص وطنًا، والركضة موقفًا، والهدف حكاية تكتب في ذاكرة أمة كاملة. هكذا كانت مباراة مصر والأرجنتين. على الجانب الآخر، وقف بطل العالم، منتخب يحمل تاريخًا طويلًا من البطولات، وأسماء صنعت أمجادها في أكبر ملاعب الأرض، وعلى الجانب المصري، وقف لاعبون يعرفون أن أحدًا لم يرشحهم لكتابة المعجزة، لكنهم قرروا أن يكتبوا المحاولة على الأقل. ولعل أجمل ما في الرياضة أنها تمنح الإنسان فرصة نادرة ليتحرر من منطق الأرقام، فالتاريخ...

فاروق الدسوقي يكتب: عندما توقف الزمن ليصغي إلى مصر

صورة
  لم يكن قلبي وحده الذي اضطرب في تلك الليلة، كان هناك شيء أعمق من الخفقان نفسه، شيء يشبه أن يستيقظ داخلك فجأة إدراك حاد بأنك لست فرداً عادياً يشاهد حدثاً سياسياً، إنما جزء صغير من جسد أكبر منك بكثير.. جسد اسمه مصر. كنت أتابع خطاب الفريق أول عبدالفتاح السيسي في الثالث من يوليو 2013، بعد أيام من الثلاثين من يونيو، وكأنني أتابع لحظة انتقال وطن كامل من مرحلة إلى أخرى دون أن يعرف أحد كيف ستبدو ملامحه الجديدة، لكن الحقيقة أنني لم أكن أتابع خطاباً، كنت أتابع وطناً يحاول أن يمنع نفسه من الانكسار. في تلك اللحظة، لم تكن اللغة سياسية، ولا الجمل مرتبة كما في الكتب، كانت اللغة شيئاً آخر تماماً، خليطاً من القلق، والانتظار، والرجاء، وصمت ثقيل يسبق قراراً أكبر من قدرة الكلمات على حمله، كان الليل مختلفاً، كأنه توقف قليلاً كي يصغي، والزمن نفسه بدا مُتردداً، لا يعرف هل يمضي إلى الأمام أم يتراجع خطوة ليرى ماذا سيحدث لهذا البلد. كل كلمة كانت تصلني كأنها تمشي على أطراف أصابعها فوق قلبي، لم أكن أفهمها بعقلي وحده، كنت أستقبلها بإحساس إنسان يشعر بأن وطنه كله معلق على حافة سؤال واحد: هل نستطيع أن نستمر؟ لكن...

فاروق الدسوقي يكتب: من يقود وعي هذا الجيل؟

صورة
في الأزمنة القديمة، كان الطفل إذا أظلم الليل يهرع إلى حضن أمه، وكانت القرى تعرف طريقها إلى الحكيم، وكانت الكلمة تخرج من قلب شيخ جالس تحت شجرة، فتستقر في القلوب كما يستقر المطر في الأرض العطشى. أما اليوم، فقد تغير المشهد كله، لم يعد الليل مظلما، فالشاشات لا تنطفئ، غير أن العتمة الحقيقية باتت تسكن الأرواح، لم يعد الإنسان يفتقد المعلومة، وإنما يغرق فيها، ولم يعد يعاني من قلة الأصوات، إنما من كثرتها، وصار العالم كله يقيم داخل هاتف صغير، تتزاحم فيه الصور، وتتدافع الأفكار، وتتقاتل الروايات، حتى أصبح الإنسان يسمع كل شيء، ونادرا ما يسمع نفسه. وفي قلب هذه الضوضاء الكبيرة، ينهض سؤال موجع: من يقود وعي هذا الجيل؟ إن أزمة الإنسان المعاصر ليست في نقص المعرفة، وإنما في ضياع المعنى، فكم من شاب يحمل بين يديه مكتبة كاملة، لكنه لا يعرف إلى أين يمضي بروحه، وكم من فتاة تتابع العالم كله عبر شاشة صغيرة، بينما يتسع داخلها فراغ لا تملؤه آلاف المتابعات، لقد تغير العالم، غير أن حاجة الإنسان إلى الله لم تتغير، فالروح البشرية، مهما أرهقتها التكنولوجيا، تبقى متعطشة إلى الطمأنينة، باحثة عن اليقين، مشتاقة إلى من يأخذ...

فاروق الدسوقي يكتب: كيف يقتل الغرور إنسانيتنا؟

صورة
يحتاج المرء منا إلى وقفة طويلة مع النفس. ليسأل: ماذا فعل؟ من ظلم؟ من آذى؟ ومن الذي عبر حياته كإعصار ثم مضى، تاركا خلفه أرواحا مكسورة، بينما يواصل هو السير وكأن شيئا لم يحدث؟ ليست المشكلة دائما في الشر الصريح، فالأشرار الواضحون أقل خطرا من أولئك الذين يرتكبون الأذى وهم مقتنعون تماما أنهم على حق، أولئك الذين لا يراجعون أنفسهم أبدا، لأنهم بنوا داخل أرواحهم تمثالا ضخما لأنفسهم، ثم جلسوا يعبدونه في صمت. جنون العظمة لا يبدأ كما نظن. لا يولد الإنسان ـ أي إنسان ـ وهو يرى نفسه مركز الكون، لكنه يصل إلى ذلك بالتدريج، حين يتوقف عن الإصغاء، ويعتبر كل نقد إهانة، وكل اختلاف خيانة، وكل اعتذار هزيمة شخصية. شيئا فشيئا، تتضخم صورته الداخلية حتى تصبح أكبر من الحقيقة نفسها، فيعيش داخل نسخة متخيلة من ذاته، لا داخل ذاته الحقيقية، وهنا تحدث الكارثة. لأن الإنسان حين يعجز عن رؤية عيوبه، يبدأ تلقائيا في تحميل الآخرين مسؤولية كل شيء، يفشل بسبب الحسد، ويرفض بسبب غباء الناس، ويخسر لأن العالم لا يفهمه، ويؤذي لأن الآخرين استحقوا، حتى أخطاؤه تصبح في نظره بطولة، وقسوته تتحول إلى صراحة، وتعاليه يصبح ثقة بالنفس، وأنانيته...

فاروق الدسوقي يكتب: عن واقعة «أطفال الشيخ».. السوشيال ميديا جرى فيها إيه؟

صورة
تابعت بانزعاج واقعة التنمر على المواطن محمد حسن الشيخ وأطفاله، ليس لأن ما حدث صادم، لكن لأننا لم نعد نصدم، وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، عندما يتحول الألم إلى مشهد عابر، والقسوة إلى محتوى. الحكاية بسيطة حد البراءة، أب التقط صورة في العيد، لا استعراض، لا ادعاء، مجرد لحظة يقول فيها: «هذا عالمي، هؤلاء أطفالي، وهذه فرحتي». لكن الفرح لم يعد يمر كما هو، يفتش فيه، يساء فهمه، ثم يلقى في ساحة مفتوحة، حيث الكلمة أسرع من التفكير، وأقسى مما ينبغي. في الصورة، أب مع أطفاله، يحاول ـ ككل الآباء ـ أن يبدو أقوى مما يشعر، وأن يمنحهم أمانا قدر ما يستطيع، في التعليقات شيء آخر تماما، ملامح صارت مادة، والاختلاف تهمة، والبراءة هدفا سهلا، لم ير البعض إنسانا، بل فرصة للسخرية، والإدانة، وإطلاق أحكام لا تكلّف سوى ضغطة زر، لكنها تكلف غيرهم كرامتهم. ثم جاء الصوت: «هو أنا مش من حقي أفرح؟» جملة قصيرة قالها الأب، لكنها موجعة، كشفت أن المسألة لم تعد كلمات، إنما جرحا حقيقيا، فالإنسان قد يحاكم فقط لأنه حاول أن يكون سعيدا. هذا السؤال ليس له وحده، بل لنا جميعا: متى أصبح الفرح يحتاج إذنا؟ ومتى صارت الابتسامة تحتاج تبر...

فاروق الدسوقي يكتب: من «فرصة أخيرة» إلى قلم «قنصوة» الرصاص: العدالة بوجه إنساني

صورة
ثمة لحظات في الدراما لا تعكس الخيال بقدر ما تعكس الواقع الذى نحياه ثم ننساه، عندما يظهر القاضي على الشاشة في مسلسل «فرصة أخيرة» مرتدياً الرداء الأسود، لا يبدو مجرد شخصية درامية تقود الحبكة نحو النهاية، لكنه يبدو كأنه يحمل على كتفيه وزن فكرة أقدم من الدراما نفسها، هى تحقيق العدالة. يقف الفنان الكبير محمود حميدة في دور المستشار يحيى الأسواني بوجه هادئ ونظرة حادة، كأن القانون نفسه اتخذ هيئة إنسان، لكن الغريب أنني، وأنا أتابع تلك المشاهد، لم أرَ شخصية خيالية بقدر ما رأيت ظل رجل عرفته يوماً في قاعات المحاكم، رجل لم يكن ممثلاً ولا بطلاً درامياً، بل كان قاضياً حقيقياً اسمه المستشار المحمدي قنصوة. في الحياة الواقعية لا توجد موسيقى تصويرية تسبق النطق بالحكم، ولا كاميرا تقترب من وجه القاضى لحظة الحسم، لكن هناك صمتاً أثقل من أي موسيقى، صمت القاعة عندما يقف الجميع انتظاراً للكلمة التي قد تغير حياة إنسان، في تلك اللحظة يدرك القاضي أن العدالة ليست نصوصاً في كتاب، إنما مصائر بشرية معلقة في جملة واحدة، وربما لهذا السبب بدا لي عالم الدراما قريباً جداً من الحقيقة، لأن الحقيقة نفسها، في قاعات المحاكم، مل...

فاروق الدسوقي يكتب: أخيرا.. تنفس أبطال متاهة النكران

صورة
الزمن لا ينسى،  لكنه أحيانا يتعمد الاختباء في الظلال،  ونحن وحدنا من نقرر،  هل نمد أيدينا إلى العتمة، أ م نكتفي بالضوء السهل الذي لا يجرح العين ولا الذاكرة؟ هذا بالضبط ما رفضه الباحث ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران»،  لم يغمض عينيه عن المناطق المعتمة في الوعي الوطني، ولم يتعامل مع التاريخ بوصفه نصا مغلقا، لكن كجرح مفتوح. أعاد الحياة لمن انزلقوا إلى الهامش، لمن حملوا الثورة في أجسادهم ودمائهم، ثم تركوا خلف السطور، كأنهم عبء على الرواية الرسمية لا جزء منها. كنت شاهدا على ولادة هذا الكتاب. رأيت الشيمي وهو يقضي سنوات يلاحق الأسماء كما يلاحق المرء أقاربه المفقودين،  اتصالات لا تنتهي، سفر بين القرى والمدن، شهادات متناقضة، وثائق صامتة، ومحاولات مستمرة لإنقاذ أسماء قبل أن تختفي نهائيا من الذاكرة. لم يكن ما يفعله مجرد بحث تاريخي،  بل مقاومة صريحة لطريقة تذكرنا لأنفسنا، فالمشكلة، كما يكشف الكتاب دون أن يصرح، لم تكن في الاحتلال وحده، إنما في الكيفية التي اختصرنا بها الثورة، وفي استعدادنا الدائم لتبديل البشر بالرموز. وقبل أن نقرأ الحكايات، نشعر ببصمة الشيمي في كل س...