المشاركات

مشاركة مميزة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

صورة
  في ليالٍ طويلة ، عندما كانت تضيق بي الأرض، ويُطبق الصمت على صدري، كان صوتكِ يناديني: «ونفضل نرقص، نرقص، نرقص لما العالم يفنى ويخلص»، وكأنكِ تذكرينني بأن للحياة وجهًا آخر غير الحزن. كنتِ تأتين في اللحظة الأخيرة، حين ي كاد اليأس أن يُحكم قبضته وينتصر عليّ، تهمسين لي بأمل جديد: «أنا وإنت حالة خاصة جداً، حالة مش موجودة فعلاً، ومفيش في حياتنا أصلاً، يا حبيبي عذاب»، كأنكِ تعديني بأن الغد سيكون أجمل، وأن الألم ليس قدري الأخير. وفي لحظات الانكسار وخيباتي الكبرى، كان صوتكِ يعلو في أذني: «أنا عايزة نفسي، حتى لو كل اللي باقي منها صوت، ما أنا لو هكمل حياتي بيك، من غير ما ييجي الموت، هموت»، كأنكِ تبوحين بما يجول في خاطري، بصوتٍ يمتلك قدرة عجيبة على تهدئة الوجع، وجعل الألم أقل حدّة. الفنانة الكبيرة أنغام كم يوما ظننتُ فيها أن الحكايات انطفأت، ونامت على أعتاب الخذلان، وصار  الحبّ زائرًا مؤقتًا، فجاءت كلماتكِ لتوقظ الحلم: «حلمت تشوفني بالطرحة، ولون قلبي على الفستان، بجد هموت من الفرحة، طب احكي كمان، عن الأيام وعن بُكره، وعن كل اللي بحلم بيه، وبيت فوق السحاب نبنيه ونسكن فيه»، لتُعيدي التذكير...

فاروق الدسوقي يكتب: أخيرا.. تنفس أبطال متاهة النكران

صورة
الزمن لا ينسى،  لكنه أحيانا يتعمد الاختباء في الظلال،  ونحن وحدنا من نقرر،  هل نمد أيدينا إلى العتمة، أ م نكتفي بالضوء السهل الذي لا يجرح العين ولا الذاكرة؟ هذا بالضبط ما رفضه الباحث ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران»،  لم يغمض عينيه عن المناطق المعتمة في الوعي الوطني، ولم يتعامل مع التاريخ بوصفه نصا مغلقا، لكن كجرح مفتوح. أعاد الحياة لمن انزلقوا إلى الهامش، لمن حملوا الثورة في أجسادهم ودمائهم، ثم تركوا خلف السطور، كأنهم عبء على الرواية الرسمية لا جزء منها. كنت شاهدا على ولادة هذا الكتاب. رأيت الشيمي وهو يقضي سنوات يلاحق الأسماء كما يلاحق المرء أقاربه المفقودين،  اتصالات لا تنتهي، سفر بين القرى والمدن، شهادات متناقضة، وثائق صامتة، ومحاولات مستمرة لإنقاذ أسماء قبل أن تختفي نهائيا من الذاكرة. لم يكن ما يفعله مجرد بحث تاريخي،  بل مقاومة صريحة لطريقة تذكرنا لأنفسنا، فالمشكلة، كما يكشف الكتاب دون أن يصرح، لم تكن في الاحتلال وحده، إنما في الكيفية التي اختصرنا بها الثورة، وفي استعدادنا الدائم لتبديل البشر بالرموز. وقبل أن نقرأ الحكايات، نشعر ببصمة الشيمي في كل س...

فاروق الدسوقي يكتب: عاد من الموت ليدفن أعداءه أحياء

صورة
في الليلة التي مات فيها، لم يشعر سليم بالألم، فقط بالبرد، ب رد غريب لا يشبه الشتاء، بل برد الانطفاء حين تتوقف روحك عن الإيمان بكل ما حولك. كان قد تعب من الكتابة في عالمٍ لا يقرأ، ومن الصراخ في مدينةٍ لا تسمع، ومن الدفاع عن الحقيقة أمام أناسٍ يفضلون الأكاذيب لأنها أكثر راحة. كان صحفيا بسيطا، لا يملك سوى قلمه وقلبه، وكلاهما كان صادقًا أكثر مما ينبغي. كتب ما يجب أن يقال، فاتهموه بما لم يفعل، شوهوا اسمه، تركوه وحيدا في ممر طويل من الخذلان. وحين سقط، لم يمد أحد يده. حتى الذين بكوه بعد موته، هم أنفسهم الذين صمتوا حين كان بحاجةٍ إلى صوت واحد فقط يقول: أنا معك. دفنوه على عجل، كأنهم يريدون إغلاق صفحةٍ مزعجة من ضميرهم. لكن الموت، على ما يبدو، لم يقتنع. بعد عام، استيقظ سليم. لم يكن يعرف إن كان قد عاد إلى الحياة، أم أن الحياة عادت إليه. كان جسده مثخنا بالندوب، وذاكرته غائمة كسماء بعد المطر، لكن قلبه كان واعيا، حاضرا، يعرف تماما من الذي خانه، ومن الذي تواطأ، ومن الذي اكتفى بالمشاهدة. خرج إلى الشوارع القديمة، فوجدها كما تركها، نفس الضوضاء، نفس الأكاذيب، نفس الوجوه التي تمشي بخفة فوق وجع الآخرين. لم ...

فاروق الدسوقي يكتب: غراب قابيل واعتراف زليخة

صورة
أتوقف كثيرا أمام أداء الفنان القدير محمود مرسي في دور بدران في فيلم «سعد اليتيم»، أحد كلاسيكيات السينما المصرية، لأنه لم يقدم الشر قناعا ثابتا، بل نزعه عن وجهه ببطء، كمن يعري نفسه أمام الحقيقة خطوة خطوة. ويتجلى ذلك بوضوح في مشهده مع هلباوي، الذي أداه الفنان الكبير فريد شوقي، لم يكن حديثه مجرد كلمات، بل انهيارا متأخرا لإنسان عاش عمرا كاملا وهو يحمل جريمة لم تغلق:  «أنا بقالي ثلاثين سنة تعبان.. ساعات أقوم من النوم وأنا أصرخ من النار اللي قايدة في جسمي.. قتل الأخ مش سهل، ده عذاب ما يعرفه إلا اللي غرقت إيده في الدم». بهذا المشهد لا يعترف فقط، إنما يكشف حقيقة أقدم من السينما نفسها، أن الجريمة لا تنتهي لحظة وقوعها، بل تبدأ داخل صاحبها، وتعيش معه طويلا. لكن بدران لم يكن الأول، قبل أن تكتب الأفلام، وقبل أن تروى الحكايات، بدأت القصة في أول بيت عرفته البشرية، حين وقف أخ أمام أخ، لا بسكين في يده، بل بفكرة في قلبه:  «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ». لم يبدأ القرآن بالقتل، بل بالحق، كأن الجريمة لم تكن في الدم، لكن في العجز عن قبول الحقيقة. قربانان قدما، فتقبل من أحدهما ...

فاروق الدسوقي يكتب: جحا وحماره.. حين تغير اسم جنينة الحيوانات

صورة
في التراث الشعبي العربي، تروى حكاية عن رجل اسمه جحا، خرج ذات يوم إلى السوق برفقة ابنه وحماره، بعد قليل شعر بالتعب، فصعد على ظهر الحمار وترك ابنه يمشي، لم يمض وقت طويل حتى بدأ الناس يتهامسون ساخرين:  «انظروا إلى هذا الأب القاسي، يركب هو ويترك ابنه الصغير يمشي!». خجل جحا، فنزل عن الحمار وأركب ابنه، غير أن المشهد لم يرض الجميع، فمرت نساء وقلن مستنكرات:  «يا له من ابن عاق، يركب ويدع أباه العجوز يسير!». حاول جحا مرة ثالثة، فركب مع ابنه على الحمار، لكن التجار هذه المرة صرخوا:  «ما هذا الظلم؟ حمل الحمار فوق طاقته!». وهكذا، مهما بدل جحا وابنه مواقعهما، لم يرض ذلك أحدا، وفي نهاية اليوم، جلسا يضحكان، وقد أدركا حقيقة بسيطة لكنها قاسية، أ ن إرضاء الناس غاية مستحيلة، مهما حاولت، لن تصل إليها أبدا. من هذه الحكاية القديمة ننتقل مباشرة إلى واقعنا القريب،  فمنذ الإعلان عن تغيير اسم «حديقة الحيوان» إلى «جنينة الحيوانات»، انقسمت الآراء كعادتها في أي مسألة تمس المزاج العام. لم يكن الخلاف حول الاسم وحده، ولا حول لياقته أو وجاهته، بقدر ما كان امتدادا لسؤال أعمق، هو كيف نتعامل نحن مع أي تغ...

فاروق الدسوقي يكتب: محاولة أخرى لفهم حكاية قابيل وهابيل

صورة
لم يبدأ القتل بسكين. بدأ بفكرة. فكرة صغيرة، خبيثة، تشبه الهمس:  «لماذا هو.. وليس أنا؟» منذ أن نزل آدم إلى الأرض، لم يكن الصراع مع الشيطان صراع مخالفة لأمر واضح فقط، بل صراع تأويل. آدم أخطأ وتعلم. حواء أخطأت وتراجعت. أما الشيطان، فتعلم أن الطريق إلى الإنسان لا يمر دائما عبر الخطيئة المباشرة، بل عبر المقارنة. لم يغو الشيطان قابيل بأن يقتل. هذا مهم. أغواه أولا بأن يشعر أنه أقل. ثم بأن ما في يد غيره أجمل. ثم بأن العدل ظالم. ثم بأن الغضب حق. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية. قابيل لم يكن وحشا. كان ابنا، وأخا، وإنسانا يعمل في الأرض بيديه. لكن في داخله كان هناك فراغ لم يمل:  فراغ الرضا. حين قدم القربان، لم يكن الاختبار في الشاة ولا في الزرع،  بل في النية. هابيل قدم الأفضل لأنه سلم الأمر. قابيل قدم الأسوأ لأنه كان يفاوض الله، لا يعبده. والله لا يُخدع. حين رُفض قربان قابيل، لم يغضب من نفسه،  غضب من أخيه. وهذه هي اللحظة التي يولد فيها العنف:  حين نحمّل الآخرين ثمن فشلنا الداخلي. قال له: «لأقتلنك». جملة قصيرة، لكنها لم تكن تهديدا،  كانت إعلان إفلاس أخلاقي. رد هابيل لم يكن ض...

فاروق الدسوقي يكتب: الذين نجوا ولم يعودوا.. قراءة إنسانية في فيلم Manchester by the Sea

صورة
لم يكن لي تشاندلر بطلا، ولم يكن شريرا، كان فقط رجلا نجا من الحريق، ثم اكتشف أن النجاة لا تعني الحياة. في فيلم Manchester by the Sea، لا تقدم لنا السينما درسا في الصبر، ولا وصفة للتعافي، ولا خطابا عن تجاوز الألم، لكن الفيلم يفعل شيئا أبسط وأقسى: يتركك أمام إنسان لم يشف، ولم يرد أن يشفى، ولم يعرف كيف يعود. لي تشاندلر خرج حيًا من مأساة كان من المفترض ألا يخرج منها أحد. بيت احترق. أطفال ماتوا. وهو.. بقي. بقي لأن الحياة أحيانًا لا تسألنا إن كنا نستحق الاستمرار، بل تفرضه علينا كعقوبة. الشرطة قالت له: «لم يكن عمدا». القانون أغلق الملف. لكن لي فتح على نفسه محكمة أبدية، حكمها واحد:  الذنب المؤبد. منذ تلك الليلة، لم يعد لي يعيش، بل ينفذ حكما. حكم بالسير بوجه جامد،  بالابتعاد عن البشر،  بتجنب الدفء،  لأن النار بدأت من الدفء. الفيلم لا يقدم لنا رجلا ينهار كل يوم، بل رجلا توقف عن الانهيار. وهذا أخطر. الانهيار لحظة،  أما التجمد فحياة كاملة. حين يعود لي إلى مدينته بعد وفاة أخيه، لا يعود بحثا عن شفاء، بل استجابة لواجب. الواجب آخر ما تبقى له من علاقة بالحياة. وهناك، يطلب منه أن ...

فاروق الدسوقي يكتب: هبة السويدي.. امرأة لم تمنح النار فرصة

صورة
لسنوات طويلة، أحاول الكتابة عنها، وأؤجل، وأتحايل على الفكرة، وأقنع نفسي أن الوقت لم يحن، وأن اللغة لم تنضج، وأن الجملة ما زالت قصيرة القامة أمام اسمها. ولا أعلم ما الذي منعني كل هذا الوقت، هل لأنني أخاف؟ أم لأنها أكبر من كل ما يمكن أن يكتب عنها؟ وهكذا بقيت الكلمات تتهادى في رأسي، عاجزة عن الاقتراب من الحقيقة البسيطة والقاسية في الوقت نفسه، كنت أخشى أن أختزل امرأة بحجم وطن في مقال، أن أضع نقطة في نهاية سطر، بينما قصتها لم تنته، أن أكتب عنها فأبدو كمن يشرح النار لمن احترق بها. هبة هلال السويدي، مؤسسة ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى أهل مصر، ليست حكاية نجاح، أو سيدة أعمال تحولت إلى العمل الخيري، أو صورة تليفزيونية مبتسمة تختصر في تقرير خمس دقائق، لكنها جرح يداوي جراحا أخرى. ولدت في جدة، لأب مصري عصامي بدأ حياته من الصفر، وأم سعودية عاشت الرفاهية، ثم اختارت الصبر مع زوجها في بداياته القاسية بمصر، قبل أن يسافرا إلى السعودية لبداية جديدة من تحت خط التواضع. في هذا التناقض بين الكرم والبساطة، بين القدرة والاختيار، تشكل قلبها، ونضج وعيها المبكر، وتعلمت منذ الطفولة أن القيمة لا تُقاس بما تستحوذه...