المشاركات

مشاركة مميزة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

صورة
  في ليالٍ طويلة ، عندما كانت تضيق بي الأرض، ويُطبق الصمت على صدري، كان صوتكِ يناديني: «ونفضل نرقص، نرقص، نرقص لما العالم يفنى ويخلص»، وكأنكِ تذكرينني بأن للحياة وجهًا آخر غير الحزن. كنتِ تأتين في اللحظة الأخيرة، حين ي كاد اليأس أن يُحكم قبضته وينتصر عليّ، تهمسين لي بأمل جديد: «أنا وإنت حالة خاصة جداً، حالة مش موجودة فعلاً، ومفيش في حياتنا أصلاً، يا حبيبي عذاب»، كأنكِ تعديني بأن الغد سيكون أجمل، وأن الألم ليس قدري الأخير. وفي لحظات الانكسار وخيباتي الكبرى، كان صوتكِ يعلو في أذني: «أنا عايزة نفسي، حتى لو كل اللي باقي منها صوت، ما أنا لو هكمل حياتي بيك، من غير ما ييجي الموت، هموت»، كأنكِ تبوحين بما يجول في خاطري، بصوتٍ يمتلك قدرة عجيبة على تهدئة الوجع، وجعل الألم أقل حدّة. الفنانة الكبيرة أنغام كم يوما ظننتُ فيها أن الحكايات انطفأت، ونامت على أعتاب الخذلان، وصار  الحبّ زائرًا مؤقتًا، فجاءت كلماتكِ لتوقظ الحلم: «حلمت تشوفني بالطرحة، ولون قلبي على الفستان، بجد هموت من الفرحة، طب احكي كمان، عن الأيام وعن بُكره، وعن كل اللي بحلم بيه، وبيت فوق السحاب نبنيه ونسكن فيه»، لتُعيدي التذكير...

فاروق الدسوقي يكتب: كيف يقتل الغرور إنسانيتنا؟

صورة
يحتاج المرء منا إلى وقفة طويلة مع النفس. ليسأل: ماذا فعل؟ من ظلم؟ من آذى؟ ومن الذي عبر حياته كإعصار ثم مضى، تاركا خلفه أرواحا مكسورة، بينما يواصل هو السير وكأن شيئا لم يحدث؟ ليست المشكلة دائما في الشر الصريح، فالأشرار الواضحون أقل خطرا من أولئك الذين يرتكبون الأذى وهم مقتنعون تماما أنهم على حق، أولئك الذين لا يراجعون أنفسهم أبدا، لأنهم بنوا داخل أرواحهم تمثالا ضخما لأنفسهم، ثم جلسوا يعبدونه في صمت. جنون العظمة لا يبدأ كما نظن. لا يولد الإنسان ـ أي إنسان ـ وهو يرى نفسه مركز الكون، لكنه يصل إلى ذلك بالتدريج، حين يتوقف عن الإصغاء، ويعتبر كل نقد إهانة، وكل اختلاف خيانة، وكل اعتذار هزيمة شخصية. شيئا فشيئا، تتضخم صورته الداخلية حتى تصبح أكبر من الحقيقة نفسها، فيعيش داخل نسخة متخيلة من ذاته، لا داخل ذاته الحقيقية، وهنا تحدث الكارثة. لأن الإنسان حين يعجز عن رؤية عيوبه، يبدأ تلقائيا في تحميل الآخرين مسؤولية كل شيء، يفشل بسبب الحسد، ويرفض بسبب غباء الناس، ويخسر لأن العالم لا يفهمه، ويؤذي لأن الآخرين استحقوا، حتى أخطاؤه تصبح في نظره بطولة، وقسوته تتحول إلى صراحة، وتعاليه يصبح ثقة بالنفس، وأنانيته...

فاروق الدسوقي يكتب: عن واقعة «أطفال الشيخ».. السوشيال ميديا جرى فيها إيه؟

صورة
تابعت بانزعاج واقعة التنمر على المواطن محمد حسن الشيخ وأطفاله، ليس لأن ما حدث صادم، لكن لأننا لم نعد نصدم، وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، عندما يتحول الألم إلى مشهد عابر، والقسوة إلى محتوى. الحكاية بسيطة حد البراءة، أب التقط صورة في العيد، لا استعراض، لا ادعاء، مجرد لحظة يقول فيها: «هذا عالمي، هؤلاء أطفالي، وهذه فرحتي». لكن الفرح لم يعد يمر كما هو، يفتش فيه، يساء فهمه، ثم يلقى في ساحة مفتوحة، حيث الكلمة أسرع من التفكير، وأقسى مما ينبغي. في الصورة، أب مع أطفاله، يحاول ـ ككل الآباء ـ أن يبدو أقوى مما يشعر، وأن يمنحهم أمانا قدر ما يستطيع، في التعليقات شيء آخر تماما، ملامح صارت مادة، والاختلاف تهمة، والبراءة هدفا سهلا، لم ير البعض إنسانا، بل فرصة للسخرية، والإدانة، وإطلاق أحكام لا تكلّف سوى ضغطة زر، لكنها تكلف غيرهم كرامتهم. ثم جاء الصوت: «هو أنا مش من حقي أفرح؟» جملة قصيرة قالها الأب، لكنها موجعة، كشفت أن المسألة لم تعد كلمات، إنما جرحا حقيقيا، فالإنسان قد يحاكم فقط لأنه حاول أن يكون سعيدا. هذا السؤال ليس له وحده، بل لنا جميعا: متى أصبح الفرح يحتاج إذنا؟ ومتى صارت الابتسامة تحتاج تبر...

فاروق الدسوقي يكتب: من «فرصة أخيرة» إلى قلم «قنصوة» الرصاص: العدالة بوجه إنساني

صورة
ثمة لحظات في الدراما لا تعكس الخيال بقدر ما تعكس الواقع الذى نحياه ثم ننساه، عندما يظهر القاضي على الشاشة في مسلسل «فرصة أخيرة» مرتدياً الرداء الأسود، لا يبدو مجرد شخصية درامية تقود الحبكة نحو النهاية، لكنه يبدو كأنه يحمل على كتفيه وزن فكرة أقدم من الدراما نفسها، هى تحقيق العدالة. يقف الفنان الكبير محمود حميدة في دور المستشار يحيى الأسواني بوجه هادئ ونظرة حادة، كأن القانون نفسه اتخذ هيئة إنسان، لكن الغريب أنني، وأنا أتابع تلك المشاهد، لم أرَ شخصية خيالية بقدر ما رأيت ظل رجل عرفته يوماً في قاعات المحاكم، رجل لم يكن ممثلاً ولا بطلاً درامياً، بل كان قاضياً حقيقياً اسمه المستشار المحمدي قنصوة. في الحياة الواقعية لا توجد موسيقى تصويرية تسبق النطق بالحكم، ولا كاميرا تقترب من وجه القاضى لحظة الحسم، لكن هناك صمتاً أثقل من أي موسيقى، صمت القاعة عندما يقف الجميع انتظاراً للكلمة التي قد تغير حياة إنسان، في تلك اللحظة يدرك القاضي أن العدالة ليست نصوصاً في كتاب، إنما مصائر بشرية معلقة في جملة واحدة، وربما لهذا السبب بدا لي عالم الدراما قريباً جداً من الحقيقة، لأن الحقيقة نفسها، في قاعات المحاكم، مل...

فاروق الدسوقي يكتب: أخيرا.. تنفس أبطال متاهة النكران

صورة
الزمن لا ينسى،  لكنه أحيانا يتعمد الاختباء في الظلال،  ونحن وحدنا من نقرر،  هل نمد أيدينا إلى العتمة، أ م نكتفي بالضوء السهل الذي لا يجرح العين ولا الذاكرة؟ هذا بالضبط ما رفضه الباحث ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران»،  لم يغمض عينيه عن المناطق المعتمة في الوعي الوطني، ولم يتعامل مع التاريخ بوصفه نصا مغلقا، لكن كجرح مفتوح. أعاد الحياة لمن انزلقوا إلى الهامش، لمن حملوا الثورة في أجسادهم ودمائهم، ثم تركوا خلف السطور، كأنهم عبء على الرواية الرسمية لا جزء منها. كنت شاهدا على ولادة هذا الكتاب. رأيت الشيمي وهو يقضي سنوات يلاحق الأسماء كما يلاحق المرء أقاربه المفقودين،  اتصالات لا تنتهي، سفر بين القرى والمدن، شهادات متناقضة، وثائق صامتة، ومحاولات مستمرة لإنقاذ أسماء قبل أن تختفي نهائيا من الذاكرة. لم يكن ما يفعله مجرد بحث تاريخي،  بل مقاومة صريحة لطريقة تذكرنا لأنفسنا، فالمشكلة، كما يكشف الكتاب دون أن يصرح، لم تكن في الاحتلال وحده، إنما في الكيفية التي اختصرنا بها الثورة، وفي استعدادنا الدائم لتبديل البشر بالرموز. وقبل أن نقرأ الحكايات، نشعر ببصمة الشيمي في كل س...

فاروق الدسوقي يكتب: عاد من الموت ليدفن أعداءه أحياء

صورة
في الليلة التي مات فيها، لم يشعر سليم بالألم، فقط بالبرد، ب رد غريب لا يشبه الشتاء، بل برد الانطفاء حين تتوقف روحك عن الإيمان بكل ما حولك. كان قد تعب من الكتابة في عالمٍ لا يقرأ، ومن الصراخ في مدينةٍ لا تسمع، ومن الدفاع عن الحقيقة أمام أناسٍ يفضلون الأكاذيب لأنها أكثر راحة. كان صحفيا بسيطا، لا يملك سوى قلمه وقلبه، وكلاهما كان صادقًا أكثر مما ينبغي. كتب ما يجب أن يقال، فاتهموه بما لم يفعل، شوهوا اسمه، تركوه وحيدا في ممر طويل من الخذلان. وحين سقط، لم يمد أحد يده. حتى الذين بكوه بعد موته، هم أنفسهم الذين صمتوا حين كان بحاجةٍ إلى صوت واحد فقط يقول: أنا معك. دفنوه على عجل، كأنهم يريدون إغلاق صفحةٍ مزعجة من ضميرهم. لكن الموت، على ما يبدو، لم يقتنع. بعد عام، استيقظ سليم. لم يكن يعرف إن كان قد عاد إلى الحياة، أم أن الحياة عادت إليه. كان جسده مثخنا بالندوب، وذاكرته غائمة كسماء بعد المطر، لكن قلبه كان واعيا، حاضرا، يعرف تماما من الذي خانه، ومن الذي تواطأ، ومن الذي اكتفى بالمشاهدة. خرج إلى الشوارع القديمة، فوجدها كما تركها، نفس الضوضاء، نفس الأكاذيب، نفس الوجوه التي تمشي بخفة فوق وجع الآخرين. لم ...

فاروق الدسوقي يكتب: غراب قابيل واعتراف زليخة

صورة
أتوقف كثيرا أمام أداء الفنان القدير محمود مرسي في دور بدران في فيلم «سعد اليتيم»، أحد كلاسيكيات السينما المصرية، لأنه لم يقدم الشر قناعا ثابتا، بل نزعه عن وجهه ببطء، كمن يعري نفسه أمام الحقيقة خطوة خطوة. ويتجلى ذلك بوضوح في مشهده مع هلباوي، الذي أداه الفنان الكبير فريد شوقي، لم يكن حديثه مجرد كلمات، بل انهيارا متأخرا لإنسان عاش عمرا كاملا وهو يحمل جريمة لم تغلق:  «أنا بقالي ثلاثين سنة تعبان.. ساعات أقوم من النوم وأنا أصرخ من النار اللي قايدة في جسمي.. قتل الأخ مش سهل، ده عذاب ما يعرفه إلا اللي غرقت إيده في الدم». بهذا المشهد لا يعترف فقط، إنما يكشف حقيقة أقدم من السينما نفسها، أن الجريمة لا تنتهي لحظة وقوعها، بل تبدأ داخل صاحبها، وتعيش معه طويلا. لكن بدران لم يكن الأول، قبل أن تكتب الأفلام، وقبل أن تروى الحكايات، بدأت القصة في أول بيت عرفته البشرية، حين وقف أخ أمام أخ، لا بسكين في يده، بل بفكرة في قلبه:  «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ». لم يبدأ القرآن بالقتل، بل بالحق، كأن الجريمة لم تكن في الدم، لكن في العجز عن قبول الحقيقة. قربانان قدما، فتقبل من أحدهما ...

فاروق الدسوقي يكتب: جحا وحماره.. حين تغير اسم جنينة الحيوانات

صورة
في التراث الشعبي العربي، تروى حكاية عن رجل اسمه جحا، خرج ذات يوم إلى السوق برفقة ابنه وحماره، بعد قليل شعر بالتعب، فصعد على ظهر الحمار وترك ابنه يمشي، لم يمض وقت طويل حتى بدأ الناس يتهامسون ساخرين:  «انظروا إلى هذا الأب القاسي، يركب هو ويترك ابنه الصغير يمشي!». خجل جحا، فنزل عن الحمار وأركب ابنه، غير أن المشهد لم يرض الجميع، فمرت نساء وقلن مستنكرات:  «يا له من ابن عاق، يركب ويدع أباه العجوز يسير!». حاول جحا مرة ثالثة، فركب مع ابنه على الحمار، لكن التجار هذه المرة صرخوا:  «ما هذا الظلم؟ حمل الحمار فوق طاقته!». وهكذا، مهما بدل جحا وابنه مواقعهما، لم يرض ذلك أحدا، وفي نهاية اليوم، جلسا يضحكان، وقد أدركا حقيقة بسيطة لكنها قاسية، أ ن إرضاء الناس غاية مستحيلة، مهما حاولت، لن تصل إليها أبدا. من هذه الحكاية القديمة ننتقل مباشرة إلى واقعنا القريب،  فمنذ الإعلان عن تغيير اسم «حديقة الحيوان» إلى «جنينة الحيوانات»، انقسمت الآراء كعادتها في أي مسألة تمس المزاج العام. لم يكن الخلاف حول الاسم وحده، ولا حول لياقته أو وجاهته، بقدر ما كان امتدادا لسؤال أعمق، هو كيف نتعامل نحن مع أي تغ...