المشاركات

مشاركة مميزة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

صورة
  في ليالٍ طويلة ، عندما كانت تضيق بي الأرض، ويُطبق الصمت على صدري، كان صوتكِ يناديني: «ونفضل نرقص، نرقص، نرقص لما العالم يفنى ويخلص»، وكأنكِ تذكرينني بأن للحياة وجهًا آخر غير الحزن. كنتِ تأتين في اللحظة الأخيرة، حين ي كاد اليأس أن يُحكم قبضته وينتصر عليّ، تهمسين لي بأمل جديد: «أنا وإنت حالة خاصة جداً، حالة مش موجودة فعلاً، ومفيش في حياتنا أصلاً، يا حبيبي عذاب»، كأنكِ تعديني بأن الغد سيكون أجمل، وأن الألم ليس قدري الأخير. وفي لحظات الانكسار وخيباتي الكبرى، كان صوتكِ يعلو في أذني: «أنا عايزة نفسي، حتى لو كل اللي باقي منها صوت، ما أنا لو هكمل حياتي بيك، من غير ما ييجي الموت، هموت»، كأنكِ تبوحين بما يجول في خاطري، بصوتٍ يمتلك قدرة عجيبة على تهدئة الوجع، وجعل الألم أقل حدّة. الفنانة الكبيرة أنغام كم يوما ظننتُ فيها أن الحكايات انطفأت، ونامت على أعتاب الخذلان، وصار  الحبّ زائرًا مؤقتًا، فجاءت كلماتكِ لتوقظ الحلم: «حلمت تشوفني بالطرحة، ولون قلبي على الفستان، بجد هموت من الفرحة، طب احكي كمان، عن الأيام وعن بُكره، وعن كل اللي بحلم بيه، وبيت فوق السحاب نبنيه ونسكن فيه»، لتُعيدي التذكير...

فاروق الدسوقي يكتب: سندس سنبل.. ضحكتها مبتهزرش

صورة
أغمضت سندس سنبل عينيها وهي تضحك، ورفعت يديها، واتسع وجهها حتى لم يعد فيه مكان لأي تعبير آخر، لم تحاول أن تضبط ملامحها لتبدو في هيئة بطلة عادت لتوها بإنجاز تاريخي، فقد كانت الفرحة أسبق من الصورة، وأصدق من أي تعبير يمكن أن تختاره أمام الكاميرا. تأملت الصورة طويلًا، واستوقفني ذلك الفرح الذي لا يحاول صاحبه أن يبدو سعيدًا؛ فهو سعيد بالفعل. لا ابتسامة محسوبة، ولا وقفة رسمية، ولا محاولة لصناعة مشهد يليق بالميدالية. فقط فتاة تضحك من قلبها، حتى أغمضت عيناها من شدة الضحك. سندس سنبل، لاعبة منتخب مصر للووشو كونغ فو، حصدت ذهبية منافسات الشانغ تشوان المجمعة للسيدات في دورة الألعاب الأولمبية للشباب «داكار 2026»، لتسجل اسمها في إنجاز تاريخي للرياضة المصرية. خبر يستحق الاحتفاء، وذهبية تستحق الفرحة، لكن الصورة أخذتني إلى ما وراء النتيجة، إلى تلك اللحظة التي انتهت فيها المنافسة، ولم يعد مطلوبًا من سندس أن تثبت شيئًا لأحد. في الووشو، لا تكفي القوة وحدها، فالحركة تحتاج إلى دقة، والانتقال من وضع إلى آخر يحتاج إلى توازن، والجسد مطالب بأن يستجيب لكل تفصيلة في توقيتها، إنها رياضة تجمع بين القوة والسيطرة، ولا ت...

فاروق الدسوقي يكتب: سجدة ميار الشوربجي

صورة
لم تكن ميار الشوربجي تعرف، وهي تفتح كتابا بعد آخر، أن الطريق الذي يبدأ من صفحة صغيرة قد ينتهي بها واقفة على منصة عربية في دبي، تحمل علم مصر، وتسمع اسمها معلنا بطلة لتحدي القراءة العربي في دورته العاشرة . طفلة في الحادية عشرة من عمرها، جاءت من برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، لتفوز بلقب عربي كبير، بعد أن قرأت ستين كتابا، وخاضت رحلة من الاجتهاد والمثابرة انتهت بلحظة تستحق أن نتوقف أمامها طويلا، لكن وسط صور التتويج ودرع التكريم وفرحة الفوز، كانت هناك صورة أخرى أكثر قربا إلى القلب، ميار تسجد شكرا لله، وعلم مصر معها . كان أول ما فعلته بعد إعلان فوزها أن سجدت شكرا لله، لا تحتاج تلك اللحظة إلى تعليق طويل، طفلة حققت حلما، فبدأت فرحتها بالسجود، مشهد بسيط في ظاهره، لكنه جمع في لحظة واحدة فرحة النجاح وامتنان صاحبته . ستون كتابا لم تكن مجرد رقم في سجل المسابقة، كانت ستين نافذة فتحتها ميار على عوالم مختلفة، وستين فرصة لتتعلم وتكتشف وتوسع خيالها، ومن مدرستها في برج البرلس، انتقلت إلى منافسة عربية، لتثبت أن المسافة بين مكان صغير ومنصة كبيرة لا تحددها الجغرافيا، وإنما تصنعها الرغبة في التعلم والعمل...

فاروق الدسوقي يكتب: أنا وليلى

صورة
  ربما تظن، للحظات، أن عنوان مقالي «أنا وليلى» عن أغنية القيصر كاظم الساهر الشهيرة، التي غناها عام 1998، وحملت اسما ارتبط في ذاكرة كثيرين بالحب والوجع والحكايات المستحيلة . لكن حكايتي مختلفة تماما،  أنا رجل تزوجت على زوجتي من دون علمها، وأنجبت طفلة أسميتها «ليلى»، وها أنا أعيش أسوأ أيام حياتي، بعدما انكشف السر الذي أخفيته عنها سنوات ! أعرف ما قد يدور في رأسك الآن، ربما تلومني، وربما ترى أنني أستحق ما يحدث لي، وربما تتساءل كيف استطعت أن أفعل ذلك بامرأة تشاركني حياتي،  لكن انتظر قليلا، فهناك تفصيلة واحدة لم أخبرك بها بعد،  كل ما سبق لم يحدث في الحقيقة، لقد حدث في حلم رأته زوجتي ! استيقظت زوجتي من نومها، وقد رأت أنني تزوجت عليها وأنجبت طفلة اسمها ليلى، أما أنا، فوجدت نفسي أمام حكاية لم أعشها، وواقعة لم أرتكبها، وطفلة لا أعرف عنها شيئا سوى اسمها الذي صار بطلا في أزمة لم أتخيل يوما أن أكون طرفا فيها . لم أتزوج سرا، ولم أنجب ليلى، ولم أخن زوجتي، لكنني وجدت نفسي أعيش تبعات كل ذلك، وكأنني مطالب بالدفاع عن نفسي أمام محكمة لم تقع أحداث جريمتها إلا في المنام . وهنا بد...

فاروق الدسوقي يكتب: آلة الزمن

صورة
  تخيل أنك وجدت، في غرفة مهجورة من بيتك، آلة لا تشبه شيئا مما عرفت من قبل، لا شاشة لها، ولا أزرار كثيرة، ولا ضوء أزرق يلمع في الظلام، فقط عجلة صغيرة، كتب عليها «إلى الوراء». تدير العجلة، فتتراجع السنوات من حولك، حتى تجد نفسك أمام جامعة القاهرة، في أول يوم لك طالبا فيها، ترى شابا يحمل حقيبته، يتلفت حوله، ويحاول أن يبدو واثقا، بينما يحاول أن يخفي ارتباك البدايات، إنه أنت، قبل أن تعرف ما تخبئه الحياة، وقبل أن تتحول هذه الأيام إلى ذكريات تتمنى لو تعود. تراقبه، وتريد أن تخبره بأن الجامعة التي يعبر بوابتها اليوم ستظل تسكنه مهما ابتعد عنها، لكنه يمضي دون أن يراك، فتتركه وتدير العجلة. تجد نفسك في محاضرة بكلية الآداب، تستمع إلى أستاذ يشرح تاريخ الفلاسفة، لم يكن هذا مجال دراستك، لكنك كنت تحضر المحاضرات لأن فتاة أحببتها كانت تدرس هذا التخصص. تبتسم وأنت تتذكر كيف قادك الحب إلى أرسطو وأفلاطون، كنت تتعلم أن السعادة عند أرسطو ترتبط بتحقيق الإنسان طبيعته، وأن العدالة عند أفلاطون أساس للحياة الفاضلة، بينما كنت تبحث عن سعادتك في مقعد قريب من فتاة، وفي نظرة عابرة، وفي احتمال لقاء بعد انتهاء المحاضرة....

فاروق الدسوقي يكتب: ماذا لو حضرت هدى شعراوي درس التاريخ؟

صورة
  ماذا لو حضرت هدى شعراوي وصفية زغلول درس التاريخ؟ ماذا لو جلستا في آخر الفصل، وسمعتا مدرسًا يتحدث عنهما، ويقول إنهما كانتا من «الفيمنست» في زمنهما، وإنهما دفعتا المرأة إلى الخروج من بيتها، ثم يختصر كل ما حدث بعد ذلك في جملة: «من يوم ما الست خرجت لا عارفين ندخلها، ومن يوم ما قلعت لا عارفين نلبسها». ربما كان أول ما سيلفت انتباههما كلمة واحدة: «خرجت». خرجت من أين؟ وإلى أين؟ فالمرأة المصرية لم تخرج من بيتها ذات صباح لأن هدى شعراوي قالت لها: «اخرجي»، كان المجتمع نفسه يتغير، وبدأ الحديث عن تعليم المرأة مع الإمام محمد عبده، ثم جاء قاسم أمين ليطرح قضية تعليمها وتحريرها، وظهرت رائدات في التعليم والعمل العام، ثم جاءت هدى شعراوي وجيلها ليحولن جزءًا من هذه الأفكار إلى حركة نسائية واجتماعية، كانت هدى جزءًا من هذا التحول، لا صاحبة قرار جعل المرأة المصرية تترك بيتها. أحيانًا تبدأ المشكلة من كلمة نمر عليها سريعًا، وكأنها تختصر الحكاية كلها، فالمجتمع نفسه كان يتغير، والتعليم يتوسع، والمدن تكبر، والمهن تتغير، والحياة تتحرك، والمرأة نفسها أصبحت تريد أن تتعلم وتعمل وتشارك في المجتمع. وصفية زغلول أيضً...

فاروق الدسوقي يكتب: لماذا نوقظ الموتى؟

صورة
في الثالثة فجرًا، كان هاتفي هو الشيء الوحيد المستيقظ معي في الغرفة، وفجأة ظهر وجه طفلة على الشاشة، ابتسامة صغيرة، عينان واسعتان، وشعر مرتب بعناية، مجرد صورة عادية لطفلة كانت هنا بالأمس، ثم لم تعد هنا اليوم، وتحت الصورة كتب أبوها: «ممكن تخلوها تتكلم وتقول وحشتني يا بابا؟» قرأت الجملة مرة، ثم ثانية، وأغلقت الهاتف، لم يخيفني أن الصورة يمكن أن تتحرك، لكن أخافني أننا أصبحنا نريد من الموتى أن يتكلموا، وبعد دقائق، تخيلت الأب وهو ينتظر، ثم تخيلت ما يمكن أن يحدث، تتحرك الصورة، ترمش الطفلة، تبتسم، ثم يخرج صوت يشبه صوتها: «وحشتني يا بابا». قد يبكي الأب، قد يضم الهاتف إلى صدره، وقد يصدق قلبه، ولو لثوان، أن ابنته عادت، ثم ينتهي التسجيل، تتوقف الصورة، يصمت الهاتف، وتعود الحقيقة، وهنا يبدأ خوفي الحقيقي، ليس من التكنولوجيا التي تستطيع تحريك صورة ميت، لكن من قدرتها على أن تمنح الحزن وهمًا يشبه الحياة. منذ أن عرف الإنسان الموت، اخترع أشياء كثيرة ليحتفظ بمن رحلوا، صورة، رسالة، ملابس، رائحة عطر، تسجيلًا لصوت، لكن الصورة كانت تقول عن المتوفى: «كان هنا»، أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع أن يجعلها تقول: «أنا هنا...

فاروق الدسوقي يكتب: خرجوا أثناء خطاب نتنياهو.. فدخلوا قلوب شعوبهم

صورة
  لم يكن المشهد في الأمم المتحدة، خلال خطاب بنيامين نتنياهو، مجرد وفود تتحرك من مقاعدها، فقد جاء خروج عدد من الوفود احتجاجًا على سياسات إسرائيل وحربها في غزة، لكن المشهد لم يتوقف عند حدود القاعة، ولم يكن مجرد لحظة التقطتها الكاميرات ثم مضت. كان هناك شيء آخر يحدث، بعيدًا عن القاعة، مواطنون في بلاد بعيدة يشاهدون المشهد، ويرون أعلام بلادهم تتحرك خارج القاعة، وربما شعر بعضهم، في تلك اللحظة، أن شيئًا في داخله تحرك معها، فالإنسان لا يبحث من وطنه دائمًا عن خطاب طويل، أحيانًا يبحث عن موقف، عن لحظة يشعر فيها أن البلد التي ينتمي إليها لم تكتفِ بأن تكون اسمًا على جواز سفر أو علما في مناسبة رسمية، وإنما استطاعت، ولو للحظة، أن تقول شيئًا يلتقي مع ضميره، وهنا تصبح بعض المواقف السياسية أكبر من السياسة نفسها. فالسياسة تكتب في البيانات، وتشرح في التصريحات، وتناقش داخل القاعات، لكن أثرها الحقيقي قد يصل إلى مكان آخر تمامًا.. إلى قلب مواطن عادي. قد يجلس هذا المواطن أمام شاشة صغيرة، لا يعرف تفاصيل البروتوكول، ولا يهتم كثيرًا بمن جلس وأين جلس، لكنه يرى وفد بلاده يغادر أثناء خطاب نتنياهو، فيتوقف قليلًا. ...