المشاركات

مشاركة مميزة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

صورة
  في ليالٍ طويلة ، عندما كانت تضيق بي الأرض، ويُطبق الصمت على صدري، كان صوتكِ يناديني: «ونفضل نرقص، نرقص، نرقص لما العالم يفنى ويخلص»، وكأنكِ تذكرينني بأن للحياة وجهًا آخر غير الحزن. كنتِ تأتين في اللحظة الأخيرة، حين ي كاد اليأس أن يُحكم قبضته وينتصر عليّ، تهمسين لي بأمل جديد: «أنا وإنت حالة خاصة جداً، حالة مش موجودة فعلاً، ومفيش في حياتنا أصلاً، يا حبيبي عذاب»، كأنكِ تعديني بأن الغد سيكون أجمل، وأن الألم ليس قدري الأخير. وفي لحظات الانكسار وخيباتي الكبرى، كان صوتكِ يعلو في أذني: «أنا عايزة نفسي، حتى لو كل اللي باقي منها صوت، ما أنا لو هكمل حياتي بيك، من غير ما ييجي الموت، هموت»، كأنكِ تبوحين بما يجول في خاطري، بصوتٍ يمتلك قدرة عجيبة على تهدئة الوجع، وجعل الألم أقل حدّة. الفنانة الكبيرة أنغام كم يوما ظننتُ فيها أن الحكايات انطفأت، ونامت على أعتاب الخذلان، وصار  الحبّ زائرًا مؤقتًا، فجاءت كلماتكِ لتوقظ الحلم: «حلمت تشوفني بالطرحة، ولون قلبي على الفستان، بجد هموت من الفرحة، طب احكي كمان، عن الأيام وعن بُكره، وعن كل اللي بحلم بيه، وبيت فوق السحاب نبنيه ونسكن فيه»، لتُعيدي التذكير...

فاروق الدسوقي يكتب: لماذا نحب مصر؟

صورة
  لم أسأل نفسي يومًا: لماذا أحب مصر؟ كنت أظن أن الأمر لا يحتاج إلى تفسير، تمامًا كما لا يسأل الإنسان نفسه لماذا يحب أمه، أو لماذا يشتاق إلى بيت طفولته كلما ابتعد عنه؟ لكن في إحدى الليالي، بينما كنت أتابع نشرات الأخبار التي تتحدث عن الحروب والخراب والنزوح، وجدت السؤال يتسلل إليّ بهدوء: لماذا نحب مصر؟ هل لأننا وُلدنا فوق هذه الأرض فحسب؟ أم لأن بيننا وبينها شيئًا أعمق من مجرد شهادة ميلاد وجنسية مكتوبة في بطاقة؟ أغلقت التلفاز، وتركت السؤال يتمدد داخلي، حاولت أن أجيب بإجابة منطقية، مرتَّبة، تشبه إجابات الكتب المدرسية، لكنني فشلت، فمصر لا تُحَب بالعقل وحده، مصر حالة، وإحساس، وحكاية طويلة تسكن الدم قبل أن تسكن الخرائط. تذكرت أول مرة خرجت فيها وحدي إلى الشارع طفلاً، لم أكن أعرف شيئًا عن التاريخ، ولا عن الحضارات، ولا عن الجغرافيا، لكنني كنت أعرف وجه بائع الخبز الذي يبتسم للجميع، وعم إبراهيم، البواب الذي كان يسألني كل صباح عن المدرسة، والمرأة التي كانت تضع كوب الماء أمام بيتها للعابرين في الصيف، كنت أحب هؤلاء دون أن أدري أنني أحب مصر من خلالهم. فمصر ليست النيل وحده، ولا الأهرامات وحدها، ولا ...

فاروق الدسوقي يكتب: من خالد عبدالعال للأسطى عماد.. هل حان وقت رد الجميل؟

صورة
في المقال السابق، طرحت سؤالا بدا بسيطا في ظاهره، لكنه حمل معنى أكبر من كلماته: من يحمل مصر؟ وكانت الإجابة واضحة أمامنا، في وجوه رجال لم يبحثوا عن بطولة، لكنها ذهبت إليهم. يحملها الشهيد خالد عبدالعال، وهو يقود شاحنته المشتعلة بعيدا عن محطة الوقود لينجو الناس، ويحملها الأسطى عماد جلال، حين جعل من تريلته جدارا بين البشر والكارثة، ويحملها أحمد البنا، وهو يقفز إلى الماء لينتزع أسرة كاملة من قبضة الغرق، ويحملها محمد عبدالحميد، وهو يقتحم النيران قبل أن يفكر في سلامته. لكن، بعد أن انتهيت من الكتابة، ظل سؤال آخر يطرق ذهني بإلحاح، وربما كان أكثر أهمية من السؤال الأول: من يحمل الذين يحملون مصر؟ هذا المقال ليس تكرارا لحديثنا الماضي، لكنه امتداده الطبيعي، فهو دعوة إلى ألا تنتهي البطولة بزوال الخبر، ولا ينقضي الوفاء بانتهاء مراسم التكريم، إنه محاولة لتحويل الامتنان من شعور عابر إلى مشروع يبقى. نحن نجيد الاحتفاء بالبطولة، والتصفيق، وكتابة كلمات الرثاء إذا رحل الأبطال، لكننا، في كثير من الأحيان، لا نجيد أن نحول البطولة إلى منظومة، ولا الموقف النبيل إلى ثقافة، ولا التضحية إلى مشروع وطني يعيش بعد انتهاء...

فاروق الدسوقي يكتب: من خالد عبدالعال إلى الأسطى عماد.. المجد للشقيانين

صورة
إذا أردت أن تَعرف لماذا بقيت مصر واقفة، رغم كل ما مر عليها، فلا تنظر طويلا إلى القمة، اخفض بصرك قليلا، إلى حيث لا تُرفَع الأوسمة، ولا تُنصَب المنصات، ولا تُلتقَط الصور التذكارية. انظر إلى الرجل الذي خرج قبل الفجر يبحث عن رزق يومه، وإلى المرأة التي تُخفي تعبها خلف ابتسامة تمنح أبناءها طمأنينة لا تملكها هي، وإلى العامل الذي يعود آخر النهار وقد أثقل الغبار كتفيه، لكنه ما زال يجد في قلبه متسعا لينقذ غريبا لا يعرفه. هناك، في ذلك الركن الهادئ الذي لا يعرف الضوضاء، يكمن السر الذي أبقى مصر واقفة، لا لأنها لم تعرف المِحَن، لكن لأنها، كلما اشتدت المحنة، أنجبت مِن بين بسطائها مَن يحملها. هناك لحظات لا تنفع فيها المناصب، ولا تجدي فيها الألقاب، ولا يتقدم فيها إنسان على آخر إلا بما يحمله في قلبه، حين يقترب الخطر، لا يسأل: من أنت؟ ولا ماذا تعمل؟ ولا كم تملك؟ يسأل سؤالا واحدا فقط: مَن سيتقدم؟ وفي مصر، كانت الإجابة، في كل مرة تقريبا، تأتي من رجل بسيط خرج يبحث عن لقمة عيشه، فإذا به يجد نفسه يحمل أرواح الآخرين، فحين اشتعلت شاحنة الوقود داخل محطة تموين السيارات بمدينة العاشر من رمضان، لم يكن خالد عبدالعال...

يوليو الذي أعاد ترتيب العمر

صورة
كيف يمكن لشهر واحد أن يحمل كل هذا القدر من البهجة والدفء؟ كلما أقبل يوليو، تتوقف الأيام قليلا، وكأنها تفسح المجال للذاكرة كي تتقدم، ربما لأنه الشهر الذي علمني أن بعض الأقدار لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تأتي على مرحلتين، الأولى حين جئتِ إلى الدنيا، والثانية عندما شاء الله أن تصبحي شريكة عمري . ولهذا، كلما مرت بي كلمات أنغام: «هو أنت مين.. علشان في ثانية تشيل حاجات وتهد رصة ذكريات، وتلخص العمر في يومين»، أبتسم.. لأنني لم أجد وصفا أدق لما حدث منذ عرفتك، وكأن عمري كله أعاد ترتيب نفسه ليبدأ معك ويستمر بك . لذلك لا أحتفل بعيد ميلادك فقط، ولا أستعيد ذكرى خطوبتنا وحدها، لكني أحتفل بالحكاية كلها، بالحياة التي بدأت من تاريخين، واجتمعت في قلب واحد، وبيت واحد، وأسرة واحدة . في الحادي والعشرين من يوليو 2024، كنا نفتح بابا لعمر جديد، لم أعرف يومها كيف ستتغير تفاصيل حياتنا، لكنني كنت أوقن أن الله كان يهيئ لي شيئا جميلا، لم يكن الجمال في الحفل، أو الصور، أو التهاني، وإنما في الطمأنينة الغريبة التي سكنت قلبي وأنا أراك، فمرت بخاطري كلمات أغنية هيثم شاكر: «حكايتنا كملت وكان في وعد نفذته وشلتك في عينيا.. اس...

فاروق الدسوقي يكتب: زوجة محمد صلاح.. كيف صنعت أيقونتها بالغياب؟

صورة
  في زمن أصبح فيه الظهور عملة، وتحويل الحياة الخاصة إلى عرض يومي هو الطريق الأسرع للشهرة، قررت امرأة مصرية أن تخوض مغامرة مختلفة تماما، أن تربح بالغياب، اختارت أن تعيش حياتها، لا أن تستعرضها، فبعض الأشياء لا تزداد قيمة كلما رآها الناس، لكن كلما بقيت بعيدة عن أعينهم. لم تدخل سباقا على عدد المتابعين، ولم تفتح نافذة يومية تطل منها على الناس لتروي ماذا أكلت، وأين سافرت، وماذا اشترت، ولم تعتبر أن زواجها من أحد أشهر لاعبي كرة القدم في العالم فرصة لتحويل حياتها إلى مسلسل لا تنتهي حلقاته، ورغم ذلك، أو ربما بسبب ذلك تحديدا، أصبحت ماجي صادق، زوجة محمد صلاح، واحدة من أكثر زوجات الرياضيين حضورا في وجدان الناس، دون أن تكون حاضرة بينهم كل يوم. إنها مفارقة هذا العصر، كل مرة حاول الآخرون أن يلفتوا الأنظار، كانت هي تنصرف عنها، وكل مرة ازداد الناس شغفا بالتفاصيل الصغيرة، ازدادت هي تمسكا بحقها في أن تبقى التفاصيل «تفاصيل»، وربما لهذا تحولت إلى أيقونة. منذ أن أصبح محمد صلاح نجما عالميا، لم تتغير زوجته بالسرعة التي تغير بها العالم من حولهما، لم تستبدل حياتها بحياة جديدة، ولم تستبدل هدوءها بهوس الشهرة، ...

فاروق الدسوقي يكتب: الهزيمة التي انتصرت فيها مصر

صورة
  لم أعد أذكر هل كنت أتنفس بانتظام أم كنت أحبس الهواء في صدري مع كل هجمة مصرية، كل ما أذكره أنني جلست أمام الشاشة، لكنني في الحقيقة كنت جالسا داخل قلب مصر نفسها، لم تكن مباراة عادية، كان منتخب مصر يواجه الأرجنتين، بطل العالم، والناس تعرف حجم الفارق في التاريخ والخبرة والأسماء، ومع ذلك، لم أشعر منذ الدقيقة الأولى أننا ذاهبون لنؤدي دور الضيف الخائف، كان هناك شيء مختلف في وجوه اللاعبين، شيء يشبه العناد الهادئ الذي يسبق المعارك الكبيرة. هناك لحظات ننسى فيها أن المستطيل الأخضر مجرد مساحة من العشب، وأن الكرة ليست سوى جلد منفوخ بالهواء، لحظات يتحول فيها كل شيء إلى معنى أكبر، فيصبح القميص وطنًا، والركضة موقفًا، والهدف حكاية تكتب في ذاكرة أمة كاملة. هكذا كانت مباراة مصر والأرجنتين. على الجانب الآخر، وقف بطل العالم، منتخب يحمل تاريخًا طويلًا من البطولات، وأسماء صنعت أمجادها في أكبر ملاعب الأرض، وعلى الجانب المصري، وقف لاعبون يعرفون أن أحدًا لم يرشحهم لكتابة المعجزة، لكنهم قرروا أن يكتبوا المحاولة على الأقل. ولعل أجمل ما في الرياضة أنها تمنح الإنسان فرصة نادرة ليتحرر من منطق الأرقام، فالتاريخ...

فاروق الدسوقي يكتب: عندما توقف الزمن ليصغي إلى مصر

صورة
  لم يكن قلبي وحده الذي اضطرب في تلك الليلة، كان هناك شيء أعمق من الخفقان نفسه، شيء يشبه أن يستيقظ داخلك فجأة إدراك حاد بأنك لست فرداً عادياً يشاهد حدثاً سياسياً، إنما جزء صغير من جسد أكبر منك بكثير.. جسد اسمه مصر. كنت أتابع خطاب الفريق أول عبدالفتاح السيسي في الثالث من يوليو 2013، بعد أيام من الثلاثين من يونيو، وكأنني أتابع لحظة انتقال وطن كامل من مرحلة إلى أخرى دون أن يعرف أحد كيف ستبدو ملامحه الجديدة، لكن الحقيقة أنني لم أكن أتابع خطاباً، كنت أتابع وطناً يحاول أن يمنع نفسه من الانكسار. في تلك اللحظة، لم تكن اللغة سياسية، ولا الجمل مرتبة كما في الكتب، كانت اللغة شيئاً آخر تماماً، خليطاً من القلق، والانتظار، والرجاء، وصمت ثقيل يسبق قراراً أكبر من قدرة الكلمات على حمله، كان الليل مختلفاً، كأنه توقف قليلاً كي يصغي، والزمن نفسه بدا مُتردداً، لا يعرف هل يمضي إلى الأمام أم يتراجع خطوة ليرى ماذا سيحدث لهذا البلد. كل كلمة كانت تصلني كأنها تمشي على أطراف أصابعها فوق قلبي، لم أكن أفهمها بعقلي وحده، كنت أستقبلها بإحساس إنسان يشعر بأن وطنه كله معلق على حافة سؤال واحد: هل نستطيع أن نستمر؟ لكن...