المشاركات

مشاركة مميزة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

صورة
  في ليالٍ طويلة ، عندما كانت تضيق بي الأرض، ويُطبق الصمت على صدري، كان صوتكِ يناديني: «ونفضل نرقص، نرقص، نرقص لما العالم يفنى ويخلص»، وكأنكِ تذكرينني بأن للحياة وجهًا آخر غير الحزن. كنتِ تأتين في اللحظة الأخيرة، حين ي كاد اليأس أن يُحكم قبضته وينتصر عليّ، تهمسين لي بأمل جديد: «أنا وإنت حالة خاصة جداً، حالة مش موجودة فعلاً، ومفيش في حياتنا أصلاً، يا حبيبي عذاب»، كأنكِ تعديني بأن الغد سيكون أجمل، وأن الألم ليس قدري الأخير. وفي لحظات الانكسار وخيباتي الكبرى، كان صوتكِ يعلو في أذني: «أنا عايزة نفسي، حتى لو كل اللي باقي منها صوت، ما أنا لو هكمل حياتي بيك، من غير ما ييجي الموت، هموت»، كأنكِ تبوحين بما يجول في خاطري، بصوتٍ يمتلك قدرة عجيبة على تهدئة الوجع، وجعل الألم أقل حدّة. الفنانة الكبيرة أنغام كم يوما ظننتُ فيها أن الحكايات انطفأت، ونامت على أعتاب الخذلان، وصار  الحبّ زائرًا مؤقتًا، فجاءت كلماتكِ لتوقظ الحلم: «حلمت تشوفني بالطرحة، ولون قلبي على الفستان، بجد هموت من الفرحة، طب احكي كمان، عن الأيام وعن بُكره، وعن كل اللي بحلم بيه، وبيت فوق السحاب نبنيه ونسكن فيه»، لتُعيدي التذكير...

فاروق الدسوقي يكتب: لماذا نوقظ الموتى؟

صورة
في الثالثة فجرًا، كان هاتفي هو الشيء الوحيد المستيقظ معي في الغرفة، وفجأة ظهر وجه طفلة على الشاشة، ابتسامة صغيرة، عينان واسعتان، وشعر مرتب بعناية، مجرد صورة عادية لطفلة كانت هنا بالأمس، ثم لم تعد هنا اليوم، وتحت الصورة كتب أبوها: «ممكن تخلوها تتكلم وتقول وحشتني يا بابا؟» قرأت الجملة مرة، ثم ثانية، وأغلقت الهاتف، لم يخيفني أن الصورة يمكن أن تتحرك، لكن أخافني أننا أصبحنا نريد من الموتى أن يتكلموا، وبعد دقائق، تخيلت الأب وهو ينتظر، ثم تخيلت ما يمكن أن يحدث، تتحرك الصورة، ترمش الطفلة، تبتسم، ثم يخرج صوت يشبه صوتها: «وحشتني يا بابا». قد يبكي الأب، قد يضم الهاتف إلى صدره، وقد يصدق قلبه، ولو لثوان، أن ابنته عادت، ثم ينتهي التسجيل، تتوقف الصورة، يصمت الهاتف، وتعود الحقيقة، وهنا يبدأ خوفي الحقيقي، ليس من التكنولوجيا التي تستطيع تحريك صورة ميت، لكن من قدرتها على أن تمنح الحزن وهمًا يشبه الحياة. منذ أن عرف الإنسان الموت، اخترع أشياء كثيرة ليحتفظ بمن رحلوا، صورة، رسالة، ملابس، رائحة عطر، تسجيلًا لصوت، لكن الصورة كانت تقول عن المتوفى: «كان هنا»، أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع أن يجعلها تقول: «أنا هنا...

فاروق الدسوقي يكتب: خرجوا أثناء خطاب نتنياهو.. فدخلوا قلوب شعوبهم

صورة
  لم يكن المشهد في الأمم المتحدة، خلال خطاب بنيامين نتنياهو، مجرد وفود تتحرك من مقاعدها، فقد جاء خروج عدد من الوفود احتجاجًا على سياسات إسرائيل وحربها في غزة، لكن المشهد لم يتوقف عند حدود القاعة، ولم يكن مجرد لحظة التقطتها الكاميرات ثم مضت. كان هناك شيء آخر يحدث، بعيدًا عن القاعة، مواطنون في بلاد بعيدة يشاهدون المشهد، ويرون أعلام بلادهم تتحرك خارج القاعة، وربما شعر بعضهم، في تلك اللحظة، أن شيئًا في داخله تحرك معها، فالإنسان لا يبحث من وطنه دائمًا عن خطاب طويل، أحيانًا يبحث عن موقف، عن لحظة يشعر فيها أن البلد التي ينتمي إليها لم تكتفِ بأن تكون اسمًا على جواز سفر أو علما في مناسبة رسمية، وإنما استطاعت، ولو للحظة، أن تقول شيئًا يلتقي مع ضميره، وهنا تصبح بعض المواقف السياسية أكبر من السياسة نفسها. فالسياسة تكتب في البيانات، وتشرح في التصريحات، وتناقش داخل القاعات، لكن أثرها الحقيقي قد يصل إلى مكان آخر تمامًا.. إلى قلب مواطن عادي. قد يجلس هذا المواطن أمام شاشة صغيرة، لا يعرف تفاصيل البروتوكول، ولا يهتم كثيرًا بمن جلس وأين جلس، لكنه يرى وفد بلاده يغادر أثناء خطاب نتنياهو، فيتوقف قليلًا. ...

فاروق الدسوقي يكتب: نادي النساء السري

صورة
قال صديقي ذات مساء، بثقة رجل اكتشف أخيرا سرا من أسرار الكون: «أنا عارف مراتي كويس جدًا»، ابتسمت وسألته: «قد إيه يعني؟»، قال وهو يرفع حاجبه بغرور: «عارف بتحب إيه، وبتكره إيه، وإمتى بتزعل، وإمتى بتبقى مبسوطة، دي مراتي بقالنا سنين». لم أجادله، فقط تخيلت زوجته وهي تسمعه من بعيد، وتبتسم ابتسامة امرأة تعرف أن الرجل قد يعيش معها عشرين عاما، ويظل هناك جزء منها لم يره بعد، قد يعرف لونها المفضل، ولا يلاحظ أنها لم تعد تحبه، وقد يعرف وجبتها المفضلة، لكنه لا يعرف ما الذي تتمنى أن يحدث لها يوما، وما الذي تخفيه في قلبها لأنها لم تجد الكلمات المناسبة لتطلبه. وقد يعرف كيف تبدو حين تغضب، لكنه لا يعرف كم فكرة مرت في رأسها قبل أن تغضب أصلا، وهنا فكرت أن للنساء ناديا سريا، عضويته تبدو متاحة لكل امرأة تعلمت أن تحمل يومها بيد، والغد باليد الأخرى. وهذه، على ما يبدو، بعض قواعده، الأولى أنها قد تعيش اليوم وهي تفكر في عام 2036، فالرجل قد يفكر في العشاء، بينما تفكر المرأة في المدرسة التي سيدخلها ابنها بعد سنوات، هو يسأل: هنروح فين الجمعة؟، وهي قد تكون تسأل نفسها: ولو فضلنا في البيت ده خمس سنين، هيبقى مناسب؟ ليس ل...

فاروق الدسوقي يكتب: نادي الرجال السري

صورة
لطالما اعتقدت أن الرجال أبسط مما تظن، كانت هذه نظريتها القديمة، كانت تظن أن الرجل يقول ما يريد، ويفعل ما يريد، ويغضب حين يغضب، ويضحك حين يضحك، ثم أحبت رجلًا، فاكتشفت أنها كانت مخطئة. كان الرجل الذي أحبته يشبه بيتًا تعرف عنوانه، وتعرف لون بابه، لكنها لم تكن تعرف أين يخفي المفتاح، كان له عالم آخر، عالم لا تدخله. وفي ليلة طويلة، بينما كان نائمًا إلى جوارها، بدأت تفتش في رأسها عن تفسير لكل الأشياء التي لم تفهمها فيه. لماذا يصمت عندما يزدحم داخله الكلام؟ لماذا يقول «أنا كويس» في الأيام التي يبدو فيها كمن يحمل جبلًا فوق صدره؟ ولماذا يستطيع أن يسألها عشر مرات: «أكلتي؟ وصلتي؟ خدي بالك من نفسك؟» لكنه يعجز عن قول جملة صغيرة مثل: «أنا محتاجك»؟ في تلك الليلة، سمّت سره في خيالها «نادي الرجال السري»، وبدأت تكتشف قوانينه. القاعدة الأولى: إذا كنت تستطيع حل مشكلتك وحدك، فلا تخبر أحدًا بها، ولهذا قد يعود الرجل إلى بيته وهو يحمل يومًا كاملًا فوق كتفيه، ثم يجيب عن السؤال المعتاد: «مالك؟»، بكلمة واحدة: «ولا حاجة»، ولا تعني «ولا حاجة» أنه لا يوجد شيء، أحيانًا تعني أن هناك أشياء كثيرة جدًا، لدرجة أنه لا يعرف...

فاروق الدسوقي يكتب: صورتك في الثمانينيات.. وكم نسخة ماتت منك؟

صورة
فجأة، صار بإمكانك أن ترى نفسك في زمن لم تعشه، صورة واحدة، وبعض الذكاء الاصطناعي، وها أنت تقف في شارع من شوارع الثمانينيات، بقميص لم ترتده يوما، وتسريحة لم تعرفها، وخلفك سيارة قديمة أو محل بواجهة باهتة، كأن أحدهم أخرج صورة من ألبوم عائلي قديم، وكتب عليها اسمك. الأغرب أن الصورة تبدو حقيقية، تبتسم وأنت تعرف أن تلك اللحظة لم تحدث أصلا، ومع ذلك، تشعر بشيء يشبه الحنين، فكيف تشتاق إلى زمن لم تعشه؟ ربما لأن الإنسان لا يحن إلى الزمن بقدر ما يحن إلى الشخص الذي كان يمكن أن يكونه فيه، تتأمل الصورة قليلًا، ثم تجد نفسك أمام سؤال لا علاقة له بالثمانينيات، ماذا لو كنت وُلدت قبل ذلك بعشرين عامًا؟ ربما كنت ستعمل في مهنة أخرى، تسكن شارعًا آخر، تعرف أصدقاء غير هؤلاء، تحب امرأة غير التي أحببتها، وتتزوجها، وتصبح أبًا لأطفال لا يشبهون أبناءك. ربما كنت ستسافر، وربما لم تكن لتسافر أبدًا، ربما كنت ستصبح شخصًا أفضل، وربما شخصًا أسوأ، لا أحد يعرف، لأن كل قرار اتخذته في حياتك لم يكن اختيارًا لطريق فحسب، لكنه كان وداعًا لطرق أخرى. عندما اخترت كلية، تركت كليات لم تدخلها، وحين اخترت مدينة، تركت مدنًا لم تعش فيها، أحب...

فاروق الدسوقي يكتب: ابن محمد صلاح.. ماذا حدث لنا؟

صورة
يتوقف عقلي كثيرًا أمام ما يفعله بعضنا على مواقع التواصل الاجتماعي، أقرأ تعليقًا فأعود إليه مرة ثانية، لا لأنني لم أفهم ما كتب، ولكن لأنني لا أفهم كيف استطاع صاحبه أن يكتبه. يؤلمني قلبي أحيانًا، وأنا أرى كلمة قاسية تٌلقى على إنسان لا نعرفه، ثم يمضي صاحبها إلى يومه كأن شيئا لم يحدث، وأظل أفكر، متى أصبحنا قادرين على الدخول إلى حياة الآخرين بهذه السهولة، والجلوس في أكثر زواياها خصوصية، ثم إصدار الأحكام عليها؟ حتى جاءني السؤال هذه المرة في صورة طفلين، هما «ليل محمد صلاح»، و«إيلا هشام جمال». في اللحظة التي فتح فيها «ليل» عينيه للمرة الأولى، كان هناك آلاف العيون تنتظره، لم يكن يعرف العالم بعد، لم يعرف الشمس، ولا ضوضاء الشوارع، ولا رائحة البيوت، ولا معنى أن يكون للإنسان اسم. كان جسده الصغير ملفوفًا في قطعة قماش، ينام مطمئنًا في حضن أمه، بينما أبوه ينظر إليه كما لو أنه اكتشف فجأة أن قلبه أصبح خارج صدره، لم يكن يعرف أن أباه هو اللاعب العالمي محمد صلاح، الرجل الذي يعرفه الملايين، والذي هتفت الجماهير باسمه في الملاعب، وحفظت أهدافه، وفرحت بانتصاراته، وشعرت لسنوات أنه واحد من أبنائها. لم يكن «ليل» ي...

فاروق الدسوقي يكتب: الحب الذي له ألف وطن

صورة
«يا سلام لو العمر يتعاد من الأول.. كنت هغير حاجات كتير أوي في حياتي».. قالها وهو يفتح درجًا قديمًا، في ساعة متأخرة من الليل، لم يكن يبحث عن شيء، لكنه وجد عمره كله، مفتاحًا صغيرًا، وصدفة بحر، وكتابًا أصفر، وورقة مطوية، وصورة لأمه. أشياء لا قيمة لها في عيون الآخرين، لكنها كانت عنده أثقل من العمر نفسه، أمسك المفتاح، وعاد إلى أول مرة عرف فيها أن الإنسان يمكن أن يحب مكانًا لم يره. في البداية، كان الحب امرأة توقظه من النوم، هي أمه. تفتح الستارة قليلًا، يدخل الضوء، وتناديه بصوت لا يشبه أي صوت آخر: «اصحى يا حبيبي»، كان يجد قميصه جاهزًا، وحقيبته عند الباب، و«ساندوتش» ملفوفًا بعناية، لم يكن يعرف وقتها أن هذه التفاصيل الصغيرة ستصبح، بعد سنوات طويلة، تعريفه الأول للحب. ثم دخل المدرسة، وهناك كانت ليان، طفلة فلسطينية، ترسم في آخر كراستها بيتًا حجريًا، وزيتونة، ومفتاحًا صغيرًا، وذات يوم سألها: «ده مفتاح إيه؟»، قالت: «مفتاح بيت جدي»، لم يفهم وقتها كيف يكون لبيت بعيد في فلسطين مفتاح معها؟ وفي آخر يوم في الدراسة، لم يجدها، لكنه وجد في كراسته مفتاحًا مرسومًا، وتحته سطر لمحمود درويش: «على هذه الأرض ما يست...