المشاركات

مشاركة مميزة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

صورة
  في ليالٍ طويلة ، عندما كانت تضيق بي الأرض، ويُطبق الصمت على صدري، كان صوتكِ يناديني: «ونفضل نرقص، نرقص، نرقص لما العالم يفنى ويخلص»، وكأنكِ تذكرينني بأن للحياة وجهًا آخر غير الحزن. كنتِ تأتين في اللحظة الأخيرة، حين ي كاد اليأس أن يُحكم قبضته وينتصر عليّ، تهمسين لي بأمل جديد: «أنا وإنت حالة خاصة جداً، حالة مش موجودة فعلاً، ومفيش في حياتنا أصلاً، يا حبيبي عذاب»، كأنكِ تعديني بأن الغد سيكون أجمل، وأن الألم ليس قدري الأخير. وفي لحظات الانكسار وخيباتي الكبرى، كان صوتكِ يعلو في أذني: «أنا عايزة نفسي، حتى لو كل اللي باقي منها صوت، ما أنا لو هكمل حياتي بيك، من غير ما ييجي الموت، هموت»، كأنكِ تبوحين بما يجول في خاطري، بصوتٍ يمتلك قدرة عجيبة على تهدئة الوجع، وجعل الألم أقل حدّة. الفنانة الكبيرة أنغام كم يوما ظننتُ فيها أن الحكايات انطفأت، ونامت على أعتاب الخذلان، وصار  الحبّ زائرًا مؤقتًا، فجاءت كلماتكِ لتوقظ الحلم: «حلمت تشوفني بالطرحة، ولون قلبي على الفستان، بجد هموت من الفرحة، طب احكي كمان، عن الأيام وعن بُكره، وعن كل اللي بحلم بيه، وبيت فوق السحاب نبنيه ونسكن فيه»، لتُعيدي التذكير...

فاروق الدسوقي يكتب: ألبيرتو.. الصديق الذي أحببنا أكثر من لوكا

صورة
في اللحظة التي نزل فيها المطر، لم يكن لوكا يخشى البلل، كان يخاف أن يراه الناس، قطرة ماء واحدة كانت كافية لتسقط القناع الذي ارتداه طفل صغير طوال رحلته، وتكشف السر الذي أخفاه عن الجميع، فالطفل الذي ركض في شوارع مدينة بورتوروسو الإيطالية، وحلم بدراجة «فيسبا»، وضحك مع البشر، لم يكن إنسانًا، كان وحش بحر . تغيرت الوجوه، وتوقفت الضحكات، وعاد الخوف القديم إلى عيون أهل البلدة، لكن لوكا لم يكن الوحش الذي يجب أن يخاف منه أحد، كان طفلًا خائفًا من وحش آخر يسكن داخله اسمه الخوف. وهنا بالضبط تكمن حكاية الفيلم الكارتوني الشهير «لوكا» الحقيقية، فالقصة التي تبدو للوهلة الأولى مجرد مغامرة لطيفة لطفل من وحوش البحر، تخفي وراء ألوانها المبهجة سؤالًا إنسانيًا شديد القسوة : ماذا لو عرف الناس حقيقتنا؟ هل سيحبوننا كما نحن؟ أم سيحكمون علينا قبل أن يعرفونا؟ كان لوكا يعيش في أعماق البحر مع أسرته، محاطًا بالحب والخوف في الوقت نفسه، والداه يريدان حمايته، ولذلك أخبراه أن البشر خطر، وأن الاقتراب من السطح مغامرة قد تنتهي بكارثة، لكنه كان يمتلك شيئًا أقوى من الخوف، هو الفضول، ذلك الشعور الذي يدفع الإنسان للنظر خلف ...

فاروق الدسوقي يكتب: لماذا احتفلوا بإسلام روبرتو كارلوس؟

صورة
لم يكن الأمر هذه المرة عن هدف صاروخي مزق شباك المنافسين، ولا عن قدم يسرى صنعت واحدة من أشهر التسديدات في تاريخ كرة القدم، ولا عن ذكريات لاعب رفع كأس العالم عام 2002 مع منتخب البرازيل. هذه المرة كان روبرتو كارلوس في قلب المشهد بسبب سؤال مختلف تمامًا: هل اعتنق الإسلام؟ خلال ساعات قليلة، تحول اسم النجم البرازيلي الكبير إلى حديث واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشرت عبارات التهنئة والفرح، وكأن العالم أمام لحظة استثنائية، البعض رأى في الأمر خبرًا مبهجًا، والبعض اعتبره حدثًا يحمل رمزية كبيرة، بينما ظل السؤال الأهم يبحث عن مكان وسط كل هذا اللغط: هل نحن أمام حقيقة مؤكدة أم أمام رغبة في تصديق خبر جميل؟ بدأت القصة بعد تقارير ربطت بين زواج روبرتو كارلوس من المغربية سهيلة الطاهري وحديث عن اعتناقه الإسلام، وانتشرت روايات حول نطقه الشهادة بحضور أحد المشايخ، قبل أن يخرج اللاعب نفسه ليوضح الحقيقة، مؤكدا احترامه الكبير للإسلام، لكنه نفى أن يكون قد اعتنق الدين الإسلامي. لكن، بعيدًا عن صحة الخبر أو عدم صحته، فإن القصة تفتح بابًا أوسع للتأمل، لماذا نتعامل أحيانًا مع اعتناق شخصية مشهورة لدين معين وكأنه...

فاروق الدسوقي يكتب: ربطت شعرها ودخلت وسط النيران.. ليه مستغربين؟

صورة
في اللحظات العادية، لا تعني حركة صغيرة شيئا، أن تربط فتاة شعرها قبل أن تبدأ يومها، أو تشد خصلاته إلى الخلف، أو ترفع كميها استعدادا لشيء ما، كلها تفاصيل عابرة لا تستوقف أحدا، لكن الأشياء الصغيرة تتغير معانيها حين تحاصرها النيران . في مشهد متداول من حادث مول أرابيلا، ظهرت فتاة وسط حالة من الفوضى والدخان، بينما كان الخوف يدفع الناس بعيدا عن مكان الخطر، في مشهد استوقف كثيرين، ودفعهم إلى الإشادة بشجاعتها ومحاولتها مساعدة الآخرين . توقفت أمام المشهد طويلا، ليس لأنني أريد أن أصنع من فتاة ظهرت في لحظة خطر أسطورة، ولا لأنني أحب أن نوزع ألقاب البطولة على الناس بعد كل حادث، ولكن لأن سؤالا واحدا ظل يلح عليَّ : ليه مستغربين؟ لماذا تبدو شجاعة المرأة، كلما ظهرت أمام أعيننا، وكأنها مفاجأة؟ لماذا نحتاج إلى حريق أو حادث أو كاميرا حتى نكتشف أن هناك امرأة تستطيع أن تنسى نفسها في اللحظة التي يحتاج فيها إنسان آخر إلى يد تمتد إليه؟ ربما لأننا اعتدنا على البطولة الصامتة إلى درجة أننا لم نعد نراها، فالأم المصرية التي تجلس إلى جوار طفلها المريض حتى الفجر، وهي بالكاد تقوى على الوقوف، لا تقول لنفسها إنها...

فاروق الدسوقي يكتب: رقم لا أعرفه.. لكنه مُسجَّل باسمي!

صورة
  كانت الساعة تقترب من الفجر حين استيقظت على طَرق عنيف على باب الشقة، طَرقة أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة أكثر قوة، كأن مَن يقف خلف الباب لا يملك وقتًا للانتظار، ثم جاء الصوت: «افتح.. شرطة». في لحظة واحدة، يمكن لكلمتين أن تهدما كل جدران الأمان التي نعيش خلفها، شرطة؟ لماذا؟ ماذا حدث؟ مَن المطلوب؟ ارتديت ملابسي على عَجَل، واتجهت إلى الباب وقلبي يسبقني إليه، فتحت، وجدت وجوهًا رسمية، أسئلة سريعة، تفتيشًا، أوراقًا، ثم رأيت اسمي، وبجواره رقم هاتف لا أعرفه. يقولون إنه مسجل باسمي، وإنه ارتبط بقضية خطيرة، حاولت أن أشرح، لا أعرف الرقم، لم أستخدمه، لم أمتلكه، ولا أعرف صاحبه، لكن هناك ورقة تقول إن اسمي موجود. أغلقت الأبواب خلفي، وبدأت التحقيقات، ثم النيابة، ثم المحكمة، رأيت نفسي مطالبًا بأن أجيب عن شيء لم أفعله، وأن أشرح علاقة لا أعرف كيف بدأت، ولا كيف انتهت إلى اسمي. ثم جاء الحكم، حكم ثقيل، يجعل الإنسان يسأل نفسه: كيف يمكن لرقم صغير على شاشة هاتف أن يقلب حياة كاملة؟ في الحقيقة، لم يحدث شيء من هذا، لم تطرق الشرطة بابي، ولم أذهب إلى النيابة، ولم أقف أمام قاضٍ، لكنني عشت هذا المشهد في رأسي خلال ثوانٍ...

فاروق الدسوقي يكتب: لماذا نحب مصر؟

صورة
  لم أسأل نفسي يومًا: لماذا أحب مصر؟ كنت أظن أن الأمر لا يحتاج إلى تفسير، تمامًا كما لا يسأل الإنسان نفسه لماذا يحب أمه، أو لماذا يشتاق إلى بيت طفولته كلما ابتعد عنه؟ لكن في إحدى الليالي، بينما كنت أتابع نشرات الأخبار التي تتحدث عن الحروب والخراب والنزوح، وجدت السؤال يتسلل إليّ بهدوء: لماذا نحب مصر؟ هل لأننا وُلدنا فوق هذه الأرض فحسب؟ أم لأن بيننا وبينها شيئًا أعمق من مجرد شهادة ميلاد وجنسية مكتوبة في بطاقة؟ أغلقت التلفاز، وتركت السؤال يتمدد داخلي، حاولت أن أجيب بإجابة منطقية، مرتَّبة، تشبه إجابات الكتب المدرسية، لكنني فشلت، فمصر لا تُحَب بالعقل وحده، مصر حالة، وإحساس، وحكاية طويلة تسكن الدم قبل أن تسكن الخرائط. تذكرت أول مرة خرجت فيها وحدي إلى الشارع طفلاً، لم أكن أعرف شيئًا عن التاريخ، ولا عن الحضارات، ولا عن الجغرافيا، لكنني كنت أعرف وجه بائع الخبز الذي يبتسم للجميع، وعم إبراهيم، البواب الذي كان يسألني كل صباح عن المدرسة، والمرأة التي كانت تضع كوب الماء أمام بيتها للعابرين في الصيف، كنت أحب هؤلاء دون أن أدري أنني أحب مصر من خلالهم. فمصر ليست النيل وحده، ولا الأهرامات وحدها، ولا ...

فاروق الدسوقي يكتب: من خالد عبدالعال للأسطى عماد.. هل حان وقت رد الجميل؟

صورة
في المقال السابق، طرحت سؤالا بدا بسيطا في ظاهره، لكنه حمل معنى أكبر من كلماته: من يحمل مصر؟ وكانت الإجابة واضحة أمامنا، في وجوه رجال لم يبحثوا عن بطولة، لكنها ذهبت إليهم. يحملها الشهيد خالد عبدالعال، وهو يقود شاحنته المشتعلة بعيدا عن محطة الوقود لينجو الناس، ويحملها الأسطى عماد جلال، حين جعل من تريلته جدارا بين البشر والكارثة، ويحملها أحمد البنا، وهو يقفز إلى الماء لينتزع أسرة كاملة من قبضة الغرق، ويحملها محمد عبدالحميد، وهو يقتحم النيران قبل أن يفكر في سلامته. لكن، بعد أن انتهيت من الكتابة، ظل سؤال آخر يطرق ذهني بإلحاح، وربما كان أكثر أهمية من السؤال الأول: من يحمل الذين يحملون مصر؟ هذا المقال ليس تكرارا لحديثنا الماضي، لكنه امتداده الطبيعي، فهو دعوة إلى ألا تنتهي البطولة بزوال الخبر، ولا ينقضي الوفاء بانتهاء مراسم التكريم، إنه محاولة لتحويل الامتنان من شعور عابر إلى مشروع يبقى. نحن نجيد الاحتفاء بالبطولة، والتصفيق، وكتابة كلمات الرثاء إذا رحل الأبطال، لكننا، في كثير من الأحيان، لا نجيد أن نحول البطولة إلى منظومة، ولا الموقف النبيل إلى ثقافة، ولا التضحية إلى مشروع وطني يعيش بعد انتهاء...

فاروق الدسوقي يكتب: من خالد عبدالعال إلى الأسطى عماد.. المجد للشقيانين

صورة
إذا أردت أن تَعرف لماذا بقيت مصر واقفة، رغم كل ما مر عليها، فلا تنظر طويلا إلى القمة، اخفض بصرك قليلا، إلى حيث لا تُرفَع الأوسمة، ولا تُنصَب المنصات، ولا تُلتقَط الصور التذكارية. انظر إلى الرجل الذي خرج قبل الفجر يبحث عن رزق يومه، وإلى المرأة التي تُخفي تعبها خلف ابتسامة تمنح أبناءها طمأنينة لا تملكها هي، وإلى العامل الذي يعود آخر النهار وقد أثقل الغبار كتفيه، لكنه ما زال يجد في قلبه متسعا لينقذ غريبا لا يعرفه. هناك، في ذلك الركن الهادئ الذي لا يعرف الضوضاء، يكمن السر الذي أبقى مصر واقفة، لا لأنها لم تعرف المِحَن، لكن لأنها، كلما اشتدت المحنة، أنجبت مِن بين بسطائها مَن يحملها. هناك لحظات لا تنفع فيها المناصب، ولا تجدي فيها الألقاب، ولا يتقدم فيها إنسان على آخر إلا بما يحمله في قلبه، حين يقترب الخطر، لا يسأل: من أنت؟ ولا ماذا تعمل؟ ولا كم تملك؟ يسأل سؤالا واحدا فقط: مَن سيتقدم؟ وفي مصر، كانت الإجابة، في كل مرة تقريبا، تأتي من رجل بسيط خرج يبحث عن لقمة عيشه، فإذا به يجد نفسه يحمل أرواح الآخرين، فحين اشتعلت شاحنة الوقود داخل محطة تموين السيارات بمدينة العاشر من رمضان، لم يكن خالد عبدالعال...