فاروق الدسوقي يكتب: من يقود وعي هذا الجيل؟
في الأزمنة القديمة، كان الطفل إذا أظلم الليل يهرع إلى حضن أمه، وكانت القرى تعرف طريقها إلى الحكيم، وكانت الكلمة تخرج من قلب شيخ جالس تحت شجرة، فتستقر في القلوب كما يستقر المطر في الأرض العطشى. أما اليوم، فقد تغير المشهد كله، لم يعد الليل مظلما، فالشاشات لا تنطفئ، غير أن العتمة الحقيقية باتت تسكن الأرواح، لم يعد الإنسان يفتقد المعلومة، وإنما يغرق فيها، ولم يعد يعاني من قلة الأصوات، إنما من كثرتها، وصار العالم كله يقيم داخل هاتف صغير، تتزاحم فيه الصور، وتتدافع الأفكار، وتتقاتل الروايات، حتى أصبح الإنسان يسمع كل شيء، ونادرا ما يسمع نفسه. وفي قلب هذه الضوضاء الكبيرة، ينهض سؤال موجع: من يقود وعي هذا الجيل؟ إن أزمة الإنسان المعاصر ليست في نقص المعرفة، وإنما في ضياع المعنى، فكم من شاب يحمل بين يديه مكتبة كاملة، لكنه لا يعرف إلى أين يمضي بروحه، وكم من فتاة تتابع العالم كله عبر شاشة صغيرة، بينما يتسع داخلها فراغ لا تملؤه آلاف المتابعات، لقد تغير العالم، غير أن حاجة الإنسان إلى الله لم تتغير، فالروح البشرية، مهما أرهقتها التكنولوجيا، تبقى متعطشة إلى الطمأنينة، باحثة عن اليقين، مشتاقة إلى من يأخذ...