فاروق الدسوقي يكتب: عاد من الموت ليدفن أعداءه أحياء
في الليلة التي مات فيها، لم يشعر سليم بالألم، فقط بالبرد، ب رد غريب لا يشبه الشتاء، بل برد الانطفاء حين تتوقف روحك عن الإيمان بكل ما حولك. كان قد تعب من الكتابة في عالمٍ لا يقرأ، ومن الصراخ في مدينةٍ لا تسمع، ومن الدفاع عن الحقيقة أمام أناسٍ يفضلون الأكاذيب لأنها أكثر راحة. كان صحفيا بسيطا، لا يملك سوى قلمه وقلبه، وكلاهما كان صادقًا أكثر مما ينبغي. كتب ما يجب أن يقال، فاتهموه بما لم يفعل، شوهوا اسمه، تركوه وحيدا في ممر طويل من الخذلان. وحين سقط، لم يمد أحد يده. حتى الذين بكوه بعد موته، هم أنفسهم الذين صمتوا حين كان بحاجةٍ إلى صوت واحد فقط يقول: أنا معك. دفنوه على عجل، كأنهم يريدون إغلاق صفحةٍ مزعجة من ضميرهم. لكن الموت، على ما يبدو، لم يقتنع. بعد عام، استيقظ سليم. لم يكن يعرف إن كان قد عاد إلى الحياة، أم أن الحياة عادت إليه. كان جسده مثخنا بالندوب، وذاكرته غائمة كسماء بعد المطر، لكن قلبه كان واعيا، حاضرا، يعرف تماما من الذي خانه، ومن الذي تواطأ، ومن الذي اكتفى بالمشاهدة. خرج إلى الشوارع القديمة، فوجدها كما تركها، نفس الضوضاء، نفس الأكاذيب، نفس الوجوه التي تمشي بخفة فوق وجع الآخرين. لم ...