فاروق الدسوقي يكتب: الذين نجوا ولم يعودوا.. قراءة إنسانية في فيلم Manchester by the Sea
لم يكن لي تشاندلر بطلا، ولم يكن شريرا، كان فقط رجلا نجا من الحريق، ثم اكتشف أن النجاة لا تعني الحياة.
في فيلم Manchester by the Sea، لا تقدم لنا السينما درسا في الصبر، ولا وصفة للتعافي، ولا خطابا عن تجاوز الألم، لكن الفيلم يفعل شيئا أبسط وأقسى: يتركك أمام إنسان لم يشف، ولم يرد أن يشفى، ولم يعرف كيف يعود.
لي تشاندلر خرج حيًا من مأساة كان من المفترض ألا يخرج منها أحد.
بيت احترق.
أطفال ماتوا.
وهو.. بقي.
بقي لأن الحياة أحيانًا لا تسألنا إن كنا نستحق الاستمرار، بل تفرضه علينا كعقوبة.
الشرطة قالت له: «لم يكن عمدا».
القانون أغلق الملف.
لكن لي فتح على نفسه محكمة أبدية، حكمها واحد: الذنب المؤبد.
منذ تلك الليلة، لم يعد لي يعيش، بل ينفذ حكما.
حكم بالسير بوجه جامد، بالابتعاد عن البشر، بتجنب الدفء، لأن النار بدأت من الدفء.
الفيلم لا يقدم لنا رجلا ينهار كل يوم، بل رجلا توقف عن الانهيار.
وهذا أخطر.
الانهيار لحظة، أما التجمد فحياة كاملة.
حين يعود لي إلى مدينته بعد وفاة أخيه، لا يعود بحثا عن شفاء، بل استجابة لواجب.
الواجب آخر ما تبقى له من علاقة بالحياة.
وهناك، يطلب منه أن يكون وصيًا على ابن أخيه.
أن يكون سندا.
أن يكون حاضرا.
لكن كيف لرجل بالكاد يحتمل نفسه
أن يحتمل مسؤولية إنسان آخر؟
هنا يقول الفيلم جملته الأهم دون أن ينطقها: ليس كل من نجا صالحا للبقاء.
في أحد أقسى مشاهد الفيلم، يلتقي لي بزوجته السابقة صدفة.
هي تريد أن تتكلم.
أن تسامح.
أن تنهي الحكاية.
وهو.. ينهار.
ليس لأن الجرح فتح، بل لأن الجرح لم يغلق أصلا.
بعض الناس لا يحتاجون إلى من يغفر لهم، بل إلى قدرة داخلية على مسامحة أنفسهم.
ولي لم يمتلك هذه القدرة.
Manchester by the Sea لا يبيع لك وهم التعافي، لا يقول إن الوقت يشفي، ولا إن الحب يكفي، ولا إن الاعتذار يغير الماضي.
الفيلم شجاع لأنه يعترف بالحقيقة التي نخاف منها: بعض الكوارث لا يمكن تجاوزها، فقط يمكن التعايش معها على مسافة.
وهنا، يصبح لي تشاندلر صورة مألوفة جدا.
نراه في وجوه كثيرين حولنا.
في الناجين من تجارب سياسية، من علاقات سامة، من أفكار احترقت، من أوطان خرجوا منها سالمين، لكن بلا رغبة.
نحن نعيش في مجتمعات تطالبك دائما أن تكون قويا.
أن تشكر الله لأنك ما زلت حيً.
لكن لا أحد يسأل: ماذا نفعل بكل هذا الخراب الذي نجا معنا؟
نحن نكافئ الصامتين، ونرتاب من المنكسرين، ونحب الحكايات التي تنتهي بنجاح، لأنها تعفينا من النظر إلى الندوب.
لي تشاندلر لا يعود في نهاية الفيلم.
لا يشفى.
لا يتحول إلى نسخة أفضل من نفسه.
كل ما يفعله، أنه يعترف بعجزه، والاعتراف هنا ليس ضعفا، بل آخر أشكال الصدق.
في عالم مهووس بالبطولات، يأتي Manchester by the Sea ليهمس: ليس كل من نجا بطلًا، وليس كل من صمد انتصر، وبعض الناس يكفيهم أنهم ما زالوا هنا.
ربما تكون النجاة أحيانا، هي أن نسمح لأنفسنا ألا نكون بخير، وألا نعود كما كنا، وألا نكذب على الحياة بابتسامة زائفة.
ليس كل من نجا، كان مقدرا له أن يشفى.
تعليقات