فاروق الدسوقي يكتب: محاولة أخرى لفهم حكاية قابيل وهابيل
لم يبدأ القتل بسكين.
بدأ بفكرة.
فكرة صغيرة، خبيثة، تشبه الهمس: «لماذا هو.. وليس أنا؟»
منذ أن نزل آدم إلى الأرض، لم يكن الصراع مع الشيطان صراع مخالفة لأمر واضح فقط، بل صراع تأويل.
آدم أخطأ وتعلم.
حواء أخطأت وتراجعت.
أما الشيطان، فتعلم أن الطريق إلى الإنسان لا يمر دائما عبر الخطيئة المباشرة، بل عبر المقارنة.
لم يغو الشيطان قابيل بأن يقتل.
هذا مهم.
أغواه أولا بأن يشعر أنه أقل.
ثم بأن ما في يد غيره أجمل.
ثم بأن العدل ظالم.
ثم بأن الغضب حق.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
قابيل لم يكن وحشا.
كان ابنا، وأخا، وإنسانا يعمل في الأرض بيديه.
لكن في داخله كان هناك فراغ لم يمل: فراغ الرضا.
حين قدم القربان، لم يكن الاختبار في الشاة ولا في الزرع، بل في النية.
هابيل قدم الأفضل لأنه سلم الأمر.
قابيل قدم الأسوأ لأنه كان يفاوض الله، لا يعبده.
والله لا يُخدع.
حين رُفض قربان قابيل، لم يغضب من نفسه، غضب من أخيه.
وهذه هي اللحظة التي يولد فيها العنف: حين نحمّل الآخرين ثمن فشلنا الداخلي.
قال له: «لأقتلنك».
جملة قصيرة، لكنها لم تكن تهديدا، كانت إعلان إفلاس أخلاقي.
رد هابيل لم يكن ضعفا، كان وعيا مبكرا بأن العنف لا يهزم بالعنف، وأن أول من يمد يده بالقتل، يقتل شيئا في نفسه قبل أن يقتل الآخر.
لكن التاريخ لا يُكتب دائمًا بالحكمة.
يُكتب غالبا بالعجز.
قابيل لم يكن يعرف كيف يقتل.
تخيل: إنسان يحمل الحقد، لكن لا يملك الأداة.
حتى جاء الشيطان، لا كقاتل، بل كمعلم.
علمه كيف تسحق الرؤوس.
كيف يتحول الغضب إلى فعل.
كيف يُغلق باب الرجوع.
وهكذا.. تعلم الإنسان القتل قبل أن يتعلم الندم.
بعد الجريمة، لم يهرب قابيل.
جلس.
حائرا.
أمام جسد أخيه.
أول جثة في التاريخ لم تكن مجرد ميت، كانت سؤالًا بلا إجابة: «ماذا نفعل بعد أن نكسر ما لا يمكن إصلاحه؟»
حتى الغراب كان أرحم.
علمه كيف يواري السوءة.
كأن الطبيعة نفسها قالت له: إذا لم تعرف كيف تحيا بإنسانيتك، فتعلم على الأقل كيف تخفي بشاعتك.
ندم قابيل.. لكن بعد فوات الأوان.
وهنا جوهر القصة الذي لا يُقال كثيرا: ليس كل ندم توبة، وبعض الندم إدانة متأخرة.
قابيل لم يخسر لأن أخاه مات.
خسر لأنه أصبح النموذج الأول.
الأول في الدم.
الأول في تبرير العنف.
الأول في فتح باب لا يُغلق.
ومنذ ذلك اليوم، كل يد ارتفعت بالقتل، كانت امتدادا لتلك الجريمة الأولى.
قصة قابيل وهابيل ليست عن أخ قتل أخاه فقط، بل عن إنسان رفض أن ينظر إلى داخله، ففضل أن يُغير العالم من حوله بالدم.
وهنا السؤال الذي يطاردنا حتى اليوم: كم قابيل يسير بيننا الآن؟
لا يحمل حجرا.
بل فكرة.
تعليقات