فاروق الدسوقي يكتب: غراب قابيل واعتراف زليخة

أتوقف كثيرا أمام أداء الفنان القدير محمود مرسي في دور بدران في فيلم «سعد اليتيم»، أحد كلاسيكيات السينما المصرية، لأنه لم يقدم الشر قناعا ثابتا، بل نزعه عن وجهه ببطء، كمن يعري نفسه أمام الحقيقة خطوة خطوة.

ويتجلى ذلك بوضوح في مشهده مع هلباوي، الذي أداه الفنان الكبير فريد شوقي، لم يكن حديثه مجرد كلمات، بل انهيارا متأخرا لإنسان عاش عمرا كاملا وهو يحمل جريمة لم تغلق: «أنا بقالي ثلاثين سنة تعبان.. ساعات أقوم من النوم وأنا أصرخ من النار اللي قايدة في جسمي.. قتل الأخ مش سهل، ده عذاب ما يعرفه إلا اللي غرقت إيده في الدم».

بهذا المشهد لا يعترف فقط، إنما يكشف حقيقة أقدم من السينما نفسها، أن الجريمة لا تنتهي لحظة وقوعها، بل تبدأ داخل صاحبها، وتعيش معه طويلا.

لكن بدران لم يكن الأول، قبل أن تكتب الأفلام، وقبل أن تروى الحكايات، بدأت القصة في أول بيت عرفته البشرية، حين وقف أخ أمام أخ، لا بسكين في يده، بل بفكرة في قلبه: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ».

لم يبدأ القرآن بالقتل، بل بالحق، كأن الجريمة لم تكن في الدم، لكن في العجز عن قبول الحقيقة. قربانان قدما، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، لا محاباة هنا، بل معيار واحد، ما في القلب قبل ما في اليد.

قابيل لم يكن وحشا، بل أخا، لكنه لم يحتمل فكرة أن يكون غيره أصدق، أو أنقى، أو أقرب إلى القبول. هكذا بدأ الشر بسؤال بسيط، لكنه قاتل: لماذا هو.. وليس أنا؟

وحين قال: «لَأَقْتُلَنَّكَ»، كانت الجريمة قد وقعت داخله بالفعل، قبل أن تقع على الأرض. وبعدها وقف حائرا أمام الجثة، نادما، عاجزا حتى عن إخفاء فعلته، فبعث الله غرابا يعلمه كيف يواري سوءته، كأن الطبيعة نفسها تدخلت لتقول: تعلم كيف تخفي بشاعتك.

ثم ننتقل قرونا إلى حكاية أخرى، أكثر تعقيدا، حيث لا يسفك الدم، لكن تغتال البراءة، في قصة يوسف، تقف زليخة طويلا أمام مرآة الحقيقة.

تحاول، تراوغ، تنكر، لكن لحظة المواجهة لا مفر منها: «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ».

لم يجبرها أحد، ولم ترفع عنها المسؤولية، لكنها أعادت ترتيب الحقيقة في عالم كاد يختنق بالكذب، لم تكن توبة مكتملة، لكنها كانت لحظة شجاعة، أن يقال الصدق كما هو.

ثم يبلغ الظلم ذروته حين لا يعود فعل فرد، بل نظاما كاملا يعيش على القهر. فرعون، الذي قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ»، لم يعترف إلا حين سقطت كل الحيل، وأغلق البحر عليه من كل جانب: «آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

تسليم متأخر لم يقبل، لكنه كان كاشفا، حتى الطاغية، في لحظة السقوط الكامل، لم يستطع أن يموت دون أن ينطق بالحق، ولو بلا جدوى.

ثم نعود إلى زمن أقرب، إلى بشر يشبهوننا، لا أنبياء ولا ملوكا، نعود إلى بدران. لم يعترف فورا، ولم ينهر سريعا، حمل جريمته ثلاثين عاما، عاش، وضحك، وتسلط، لكنه لم ينج، كانت النار داخله صامتة، تكبر ببطء، حتى انفجرت في اعتراف لا يصلح شيئا، لكنه يعري صاحبه أمام نفسه.

وهنا تتضح المفارقة المؤلمة:

قابيل ندم.

زليخة اعترفت.

فرعون أقر.

وبدران انهار.

أما اليوم، فقد تصادف من يظلمك، ويسرق حقك، ويكسر حياتك، ثم يقف واثقا، متحدثا عن «الظروف»، وعن «سوء الفهم»، وعن «حقه المشروع»، كأن القسوة صارت وجهة نظر، وكأن الاعتراف صار ضعفا لا يليق بالعصر.

نعيش زمنا لم يعد فيه الظالم بحاجة إلى غراب يعلمه كيف يواري سوءته، لقد تعلم كيف يبررها، وكيف يحول الجريمة إلى رواية، والضحية إلى متهم.

لهذا لا تموت حكاية قابيل، ولا يختفي بدران من ذاكرتنا، لأنهما ليسا شخصين، بل صورتان متكررتان للإنسان حين يخطئ.

الإنسان لا يولد ظالما، لكنه يظلم حين يعجز عن مواجهة نفسه، وحين يفضل التبرير على الاعتراف، وحين يتحول الحق في داخله إلى عبء يريد التخلص منه.

في كل هذه الحكايات، لم يكن الظلم قدرا مفروضا، ولا خللا في ميزان العدل، بل اختيارا بشريا واعيا.

قابيل حسد.

زليخة راوغت.

فرعون طغى.

وبدران صمت.

وهنا تتضح الخلاصة بلا وعظ، ولا تبرير، ولا بحث عن شماعات: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ».

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: الوقوع في حب مدرسة سناء منصور

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى نقيب الصحفيين.. لماذا لم تأتِ؟

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً