فاروق الدسوقي يكتب: هبة السويدي.. امرأة لم تمنح النار فرصة
لسنوات طويلة، أحاول الكتابة عنها، وأؤجل، وأتحايل على الفكرة، وأقنع نفسي أن الوقت لم يحن، وأن اللغة لم تنضج، وأن الجملة ما زالت قصيرة القامة أمام اسمها.
ولا أعلم ما الذي منعني كل هذا الوقت، هل لأنني أخاف؟ أم لأنها أكبر من كل ما يمكن أن يكتب عنها؟
وهكذا بقيت الكلمات تتهادى في رأسي، عاجزة عن الاقتراب من الحقيقة البسيطة والقاسية في الوقت نفسه، كنت أخشى أن أختزل امرأة بحجم وطن في مقال، أن أضع نقطة في نهاية سطر، بينما قصتها لم تنته، أن أكتب عنها فأبدو كمن يشرح النار لمن احترق بها.
هبة هلال السويدي، مؤسسة ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى أهل مصر، ليست حكاية نجاح، أو سيدة أعمال تحولت إلى العمل الخيري، أو صورة تليفزيونية مبتسمة تختصر في تقرير خمس دقائق، لكنها جرح يداوي جراحا أخرى.
ولدت في جدة، لأب مصري عصامي بدأ حياته من الصفر، وأم سعودية عاشت الرفاهية، ثم اختارت الصبر مع زوجها في بداياته القاسية بمصر، قبل أن يسافرا إلى السعودية لبداية جديدة من تحت خط التواضع.
في هذا التناقض بين الكرم والبساطة، بين القدرة والاختيار، تشكل قلبها، ونضج وعيها المبكر، وتعلمت منذ الطفولة أن القيمة لا تُقاس بما تستحوذه، إنما بما تستطيع احتماله من أجل الآخرين.
قضت طفولتها تتمنى تأسيس منشأة صحية خيرية، درست إدارة الأعمال، وأسست شركة في مجال النسيج، وتعلمت لغة الأرقام، والمخاطرة، والخسارة، والربح، لكن الحياة كانت تختبرها مبكرا بلغة أقسى، الألم الإنساني حين يصبح الجسد هشا والروح معلقة بين البقاء والاستسلام.
انتقلت إلى القاهرة بعد زواجها من ابن عمها، وبدأت عمرا يجمع بين الأمومة والعمل، أنجبت وربت ونجحت، لكن قلبها ظل يقظا، يرى ما لا يريد كثيرون رؤيته، ويسمع ما يفضل العالم تجاهله.
في عام 2010، رأت رؤية، شخص يصطحبها، ويطلب منها السير في طريق قبر السيدة عائشة رضي الله عنها، فاعتبرت ذلك إشارة.
وعندما جاءت أحداث 25 يناير 2011، لم تكن بالنسبة لها حدثا سياسيا أو لحظة حماس عابرة، بل كانت انكشافا كاملا للإنسان حين يجرد من كل شيء، أجساد محترقة، وجوه مذعورة، ووجع لا يحتمله أحد.
وبينما كانت الميادين تمتلئ بالدماء والجرحى، لم تتردد، أشرفت على علاج المصابين، تابعتهم حالة بحالة، ساعة بساعة، حتى ارتبط اسمها في أذهان المصريين بأعمال الخير ومساعدة الآخرين.
منتصف عام 2014، استيقظت من النوم وقد حسم القرار داخلها، إقامة مستشفى متخصص في مداواة الحروق، لم يكن حلما مؤجلا، ولا طموحا شخصيا، إنما شعورا قاطعا بالتكليف.
أعدت دراسة جدوى، وذهبت إلى الدكتور مصطفى مدبولي، وزير الإسكان آنذاك، بلا موارد أو داعمين سوى إيمانها بالفكرة، فآمن بها وخصص الأرض مجانا في 2015.
بعد شهرين، جاء الامتحان الأصعب، رحل ابنها إسماعيل، كان الفقد فادحا، صامتا، لا يحتمل، لكن الحياة لم تتجمد، لم تحول حزنها إلى خطاب، ولم تصنع منه أسطورة، لكنها حملته ومضت.
في 2018 بدأت في إنشاء المستشفى، كانت تعرف أنه طوارئ يعمل 24 ساعة، لا يبنى بالراحة، وأن النوم أربع ساعات رفاهية لا يملكها من اختار هذا الطريق مثلها.
وقعت مناقصة تقارب 800 مليون جنيه، ولم تكن تملك سوى أقل من 2% من المبلغ، ثم جاءت جائحة كورونا، فتوقف المشروع وارتفعت التكاليف، لكنها لم تتراجع، وكانت تقول ببساطة: «إحنا بنسعى.. والباقي على الله».
سنين مديدة، وهي تبني شيئا يشبه المستحيل، مستشفى لا يعالج الحروق فقط، بل يداوي أيضا آثار ما بعدها، الخجل، الانكسار، نظرة المجتمع، والخوف من المرآة.
أهل مصر ليس مكانا للمعالجة فقط، بل مساحة لإعادة تعريف الإنسان بعد الحريق، العلاج مجاني بالكامل، لأن الكرامة لا تجزأ، لا مرايا، لأن الندبة ليست هوية، دعم نفسي لأن ما يقرب من ثلث مصابي الحروق يحاولون الانتحار، علاج طبيعي لأن الجسد يحتاج أن يتعلم الثقة من جديد، جامع وكنيسة لأن الألم لا يسأل عن الديانة، ولأن الروح تحتاج من يسمعها.
أصبح ملاذ أهل مصر نموذجا حيا للرعاية المتكاملة، استشفاء طبي، تأهيل اجتماعي، حماية مجتمعية، كل غرفة، كل سرير، وكل ابتسامة على وجه مصاب، هي شهادة صامتة على فلسفتها، في أن المداواة لا تبدأ بالجراحة فقط، لكن بالاعتراف بالإنسانية، والكرامة، وحق البشر في أن يعيشوا بعد أن تحرقهم النيران.
رأت النبي صلى الله عليه وسلم في منامها يقول لها: «أرى ما تفعلين، أكملي، لا تحبطي»، فأصرت على مواصلة الصرح الطبي، رغم نقص الموارد، مؤمنة أن الأموال آتية.
اليوم، تبنى أدوار حديثة بتكلفة 400 مليون جنيه، ولا تزال تفتقر السيولة، لكنها تملك الأهم، قوة الاستمرار دون أي ضمانات.
توجت مؤخرا في ذكرى ميلاد ابنها بجائزة الأم تيريزا العالمية لجهودها في علاج مرضى الحروق وإعادة الأمل لآلاف الأسر، كأن الله أراد أن يبارك خطواتها، ويجعل من مأساة الفقد مفتاحا لنجاح لا يعرف الحدود.
لكل هذا، تبدو الكتابة عنها دائما أقل مما تستحق، لأنها ليست قصة تحكى أو تكتب، بل موقف أخلاقي متواصل، فهي امرأة أدركت أن الإنسان قد يحترق، لكن المأساة الحقيقية أن يترك وحيدا بعدها، ولذلك لم تمنح النار فرصة أخيرة.

تعليقات