فاروق الدسوقي يكتب: جحا وحماره.. حين تغير اسم جنينة الحيوانات
في التراث الشعبي العربي، تروى حكاية عن رجل اسمه جحا، خرج ذات يوم إلى السوق برفقة ابنه وحماره، بعد قليل شعر بالتعب، فصعد على ظهر الحمار وترك ابنه يمشي، لم يمض وقت طويل حتى بدأ الناس يتهامسون ساخرين: «انظروا إلى هذا الأب القاسي، يركب هو ويترك ابنه الصغير يمشي!».
خجل جحا، فنزل عن الحمار وأركب ابنه، غير أن المشهد لم يرض الجميع، فمرت نساء وقلن مستنكرات: «يا له من ابن عاق، يركب ويدع أباه العجوز يسير!».
حاول جحا مرة ثالثة، فركب مع ابنه على الحمار، لكن التجار هذه المرة صرخوا: «ما هذا الظلم؟ حمل الحمار فوق طاقته!».
وهكذا، مهما بدل جحا وابنه مواقعهما، لم يرض ذلك أحدا، وفي نهاية اليوم، جلسا يضحكان، وقد أدركا حقيقة بسيطة لكنها قاسية، أن إرضاء الناس غاية مستحيلة، مهما حاولت، لن تصل إليها أبدا.
من هذه الحكاية القديمة ننتقل مباشرة إلى واقعنا القريب، فمنذ الإعلان عن تغيير اسم «حديقة الحيوان» إلى «جنينة الحيوانات»، انقسمت الآراء كعادتها في أي مسألة تمس المزاج العام.
لم يكن الخلاف حول الاسم وحده، ولا حول لياقته أو وجاهته، بقدر ما كان امتدادا لسؤال أعمق، هو كيف نتعامل نحن مع أي تغيير، حتى لو كان بسيطا أو رمزيا؟
في المشهد، كان هناك من صفق بحماسة، ومن سخر بلا هوادة، ومن اختصر كل شيء في جملة واحدة بدت وكأنها التعبير الأدق عن الحالة: لا كده عاجب.. ولا كده عاجب.
بالنسبة للمؤيدين، لم يكن الاسم الجديد مجرد لافتة تعلق على بوابة، بل محاولة لاستعادة رابط قديم بين المكان والناس، عودة لروح الحديقة كما عرفوها في طفولتهم، قبل أن تتحول إلى مؤسسة رسمية تحمل اسما صارما لا يشبه ضحكات الأطفال ولا نزهات العائلات.
«جنينة الحيوانات» عندهم ليست كلمة، بل ذاكرة، دفء، وحكاية مكان كان أقرب إلى القلب منه إلى اللوائح.
تاريخيا، الاسم ليس طارئا ولا مبتدعا، هكذا عرفت الحديقة منذ تأسيسها، وهكذا ناداها الناس جيلا بعد جيل، ولهذا يرى المدافعون عن القرار أن العودة إلى الاسم القديم ليست تراجعا، بل تصالحا مع الذاكرة الشعبية، ومحاولة لإعادة إنسانية المكان، ليشعر الزائر أنه يدخل مساحة حية، لا مرفقا إداريا باردا.
لكن، وكما هو متوقع، لم يكن الجميع على هذا القدر من التفاؤل، الفريق الساخر رأى في تغيير الاسم تجميلا لغويا لمشكلة أعمق، بالنسبة لهم، السؤال ليس: ماذا نكتب على البوابة؟ بل: ماذا يحدث خلفها؟ كيف تدار الحديقة؟ كيف تعامل الحيوانات؟
المفارقة أن كثيرا من الأصوات الغاضبة اليوم، هي ذاتها التي كانت غاضبة بالأمس.
حين كان المكان متروكا قيل: «ليه سايبينه كده؟».
وحين بدأ التطوير قيل: «هو ده وقته؟».
وحين تغير الاسم قيل: «ما كان اسمه حلو».
كأن المشكلة لم تعد في القرار نفسه، بل في شعور عام بعدم الرضا، يرى أي تغيير تهديدا، وأي ثبات فشلا.
بعيدا عن السخرية والحنين، لا تكمن الأزمة في اللافتة ولا في الاسم، بل فينا نحن، وفي علاقتنا الملتبسة بكل ما يتغير.
نرفض القديم لأنه قديم، ونرتاب في الجديد لأنه جديد، ونحمل الرموز الصغيرة أوزان إخفاقات كبيرة، فنحول أي خطوة، مهما كانت محدودة أو رمزية، إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات مع الماضي.
ما حدث في «جنينة الحيوانات» ليس استثناء، بل نموذج يتكرر مع كل تطوير، وكل قرار، وكل محاولة تغيير، حيث ينقسم الناس، وتعلو السخرية، ويستعجل إطلاق الأحكام، فلا ننتظر لنرى، ولا نمنح الوقت فرصة، كأن الاعتراض نفسه صار موقفا ثابتا لا يتغير.
يتكرر المشهد في الطرق، في المباني، في الخدمات، في الثقافة، وحتى في الأفكار، إن بقي الحال كما هو، ارتفع الصوت: «ما فيش جديد»، وإن تحركت الأمور خطوة للأمام، قيل: «بيغيروا في القشور»، وإن تأخر الإنجاز، كان الغضب جاهزا، وإن جاء، كان الاتهام أسرع: «متأخر»، «ناقص»، «مش كفاية»، كأن الرضا نفسه صار فكرة مستحيلة، أو ترفا لا نملكه.
وهكذا يتحول أي حدث، مهما كان حجمه، إلى مرآة تعكس علاقتنا المرتبكة بالزمن وبالتغيير، لا نتصالح مع الماضي، ولا نثق في الحاضر، ولا نصبر على المستقبل، نريد النتيجة كاملة قبل أن تبدأ الخطوة الأولى، ونحاكم الفكرة قبل أن تختبر، ثم نندهش من استمرار الإحباط.
وفي النهاية، لم يكن جحا حكيما لأنه وجد الحل، بل لأنه أدرك الحقيقة، أن الطريق الذي يحاول إرضاء الجميع، ينتهي دائما بالسخرية من الجميع.
وربما لو عاد جحا اليوم، ونظر إلى الجدل حول «جنينة الحيوانات»، لما قال شيئا، فقط كان سيبتسم، ويمضي، تاركا لنا السؤال نفسه: هل نريد فعلا أن يتغير الواقع، أم نريد فقط أن نعترض؟
تعليقات