فاروق الدسوقي يكتب: من «فرصة أخيرة» إلى قلم «قنصوة» الرصاص: العدالة بوجه إنساني
ثمة لحظات في الدراما لا تعكس الخيال بقدر ما تعكس الواقع الذى نحياه ثم ننساه، عندما يظهر القاضي على الشاشة في مسلسل «فرصة أخيرة» مرتدياً الرداء الأسود، لا يبدو مجرد شخصية درامية تقود الحبكة نحو النهاية، لكنه يبدو كأنه يحمل على كتفيه وزن فكرة أقدم من الدراما نفسها، هى تحقيق العدالة.
يقف الفنان الكبير محمود حميدة في دور المستشار يحيى الأسواني بوجه هادئ ونظرة حادة، كأن القانون نفسه اتخذ هيئة إنسان، لكن الغريب أنني، وأنا أتابع تلك المشاهد، لم أرَ شخصية خيالية بقدر ما رأيت ظل رجل عرفته يوماً في قاعات المحاكم، رجل لم يكن ممثلاً ولا بطلاً درامياً، بل كان قاضياً حقيقياً اسمه المستشار المحمدي قنصوة.
في الحياة الواقعية لا توجد موسيقى تصويرية تسبق النطق بالحكم، ولا كاميرا تقترب من وجه القاضى لحظة الحسم، لكن هناك صمتاً أثقل من أي موسيقى، صمت القاعة عندما يقف الجميع انتظاراً للكلمة التي قد تغير حياة إنسان، في تلك اللحظة يدرك القاضي أن العدالة ليست نصوصاً في كتاب، إنما مصائر بشرية معلقة في جملة واحدة، وربما لهذا السبب بدا لي عالم الدراما قريباً جداً من الحقيقة، لأن الحقيقة نفسها، في قاعات المحاكم، مليئة بالدراما الصامتة.
سنوات طويلة قضيتها صحفياً بين تلك القاعات، كانت المقاعد الخشبية القديمة تحفظ وجوه المتهمين وملامح القلق في عيونهم، المحامون يتحدثون بحماسة، والنيابة ترتب الأدلة، لكن اللحظة الأكثر كثافة في كل جلسة كانت لحظة دخول القاضي، لم يكن الأمر مجرد إجراء بروتوكولي، كان دخول المنصة يشبه دخول فكرة العدالة نفسها إلى المكان، عندما كان المستشار المحمدى قنصوة يدخل القاعة، كان النظام يسود فجأة دون أن يطلبه أحد، الهمسات تخفت، والأنظار تتجه نحو المنصة، كأن الجميع يدرك في تلك اللحظة أنه يقف أمام سلطة مختلفة عن كل السلطات الأخرى.
لم يكن الرجل صاحب حضور صاخب، لكن كان صمته هو حضوره الحقيقي، لم يكن ضيفاً دائماً على البرامج، ولم يكن من هواة التصريحات الصحفية، كان يختصر حياته المهنية كلها في عبارة بسيطة تبدو كأنها تعريف للقضاء نفسه: «أنا قاضٍ فقط»، تلك الجملة كانت كافية لتفسر كل شىء، فالقاضي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون أكثر من ذلك.
ورغم هذا الصمت، دخل اسم الرجل إلى ذاكرة القضاء المصري عبر قضايا أصبحت جزءاً من تاريخ المجتمع نفسه، جلس يوماً على منصة المحكمة لينظر قضايا هزت الرأى العام، وكانت القضايا في وقتها عواصف إعلامية هائلة، يتحدث عنها الناس في المقاهى كما يتحدثون عنها في نشرات الأخبار، لكن القاضي الذى جلس على المنصة لم يرَ تلك العواصف، كان يرى أوراقاً فقط، أوراق تحقيقات وأدلة وشهادات، لا أكثر.
هذه الفكرة تحديداً هي ما تجعل القضاء أكثر تعقيداً مما يتخيله الناس، فالقاضي لا يجلس ليبحث عن الانتقام، لكن ليبحث عن التوازن، ولهذا كان المستشار قنصوة يردد قاعدة قديمة من قواعد العدالة تبدو كأنها وُلدت أمس: «خير للعدالة أن يبرأ مائة متهم من أن يدان برىء واحد».
تلك الجملة وحدها تكفي لتفسير لماذا كان الرجل يتعامل مع كل قضية وكأنها عالم كامل يحتاج إلى التأمل والدراسة، ومع ذلك، فإن أكثر ما أدهشني عندما قرأت يوماً اعترافه الإنسانى البسيط عن شعوره وهو يصعد إلى منصة القضاء، أدركت أن الدراما لم تبالغ، فقد قال القاضي الحقيقي ذات مرة: «أقسم بالله أنه أثناء صعودي إلى المنصة حتى آخر جلسة حضرتها كانت رجلاي تصطكان (بتخبط في بعض)، وهذا الشعور ناتج عن أن القضاء رسالة يؤديها القضاة وهي مسئولية كبرى تنوء بحملها الجبال».
وربما لهذا السبب ظل المستشار المحمدي قنصوة طوال مسيرته المهنية بعيداً عن وسائل الإعلام، كان يعرف أن العدالة لا تحتاج إلى خُطب، لكنها تحتاج إلى تركيز، وأن غرفة المداولة ليست مكاناً للكلام والتصريحات الصحفية، إنما للتفكير، ولعل التفاصيل الصغيرة كانت تكشف أحياناً جانباً إنسانياً خفياً في شخصية المستشار قنصوة، حيث كان يحتفظ دائماً بقلم رصاص بسيط بين أوراقه، وعندما سُئل عنه قال بهدوء: «ده قلمي.. وده الحاجة الوحيدة اللى خرجت بها من المحكمة»، لم يكن القلم مجرد أداة للكتابة، لكنه بدا كأنه قطعة من ذاكرة طويلة عاشها الرجل فوق منصة العدالة، بقلم بسيط كهذا يدوّن ملاحظاته على آلاف الصفحات، ويراجع تفاصيل قضايا شغلت الرأى العام، وكأن ذلك القلم الرصاص كان شاهداً صامتاً على سنوات كاملة من التفكير والتأمل قبل أن تتحول الكلمات إلى أحكام قد تغير مصائر البشر.
نجحت الدراما في مسلسل «فرصة أخيرة» في إعادة إحياء هذه الأسئلة القديمة فى قالب معاصر، فالقاضي الذى يجسده محمود حميدة، المستشار يحيى الأسواني، ليس مجرد رجل يطبق القانون، لكنه رجل يجد نفسه في اختبار أخلاقي قاسٍ عندما تدخل العدالة إلى بيته نفسه، تبدأ الحكاية كقضية قانونية عادية، لكن العالم ينقلب فجأة عندما تختطف حفيدته الصغيرة «فيروز»، فى تلك اللحظة يتحول القاضي الذى اعتاد أن ينظر إلى القضايا من خلف الأوراق إلى أب مهدد بفقدان طفلته، وهنا تبدأ المأساة الإنسانية التى يقوم عليها العمل كله، فالرجل الذى كان يقف طوال حياته المهنية مدافعاً عن القانون يجد نفسه محاصَراً بين خيارين مستحيلين، الأول أن يظل قاضياً مخلصاً للقانون، والثانى أن يصبح جداً يحاول إنقاذ حفيدته بأي ثمن.
ومع كل حلقة تتصاعد الضغوط على القاضي، الرأى العام يراقب، والإعلام يلاحق القضية، والشرطة تحاول فك خيوط الجريمة، بينما يقف الرجل في قلب العاصفة وحيداً مع ضميره، وهنا تحديداً يقترب العمل من الحقيقة أكثر مما يظن المشاهد، فالقاضي في الحياة الواقعية ليس آلة قانونية باردة، لكنه إنسان يحمل همومه ومخاوفه مثل أي إنسان آخر، الفارق الوحيد أن قراراته لا تخص حياته وحده، بل حياة الآخرين أيضاً.
ولذلك لم يكن غريباً أن تذكرني هذه الشخصية الدرامية برجل حقيقي مثل المستشار المحمدي قنصوة، ليس لأن القصتين متشابهتان، لكن لأن الفكرة واحدة، القاضي الذى يحمل العدالة على كتفيه هو في النهاية إنسان قد يرتجف قلبه قبل أن ينطق بالحكم، لكنه يعرف أن عليه أن يقول الكلمة التى يعتقد أنها الأقرب إلى الحق.
في إحدي القضايا التى نظرها المستشار قنصوة حاول أحد المحامين أن يستند إلى ضغط سياسى خارجى، فأشار أمام المحكمة إلى اهتمام وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك هيلارى كلينتون بالقضية، وكأن هذا الاهتمام يجب أن يؤثر في مسار العدالة، يومها رد القاضى بجملة بقيت في ذاكرة كل من سمعها: «تنكسر رقبة هيلارى على كلينتون نفسه، وماحدش يتدخل في أعمال القضاء المصري»، لم يكن ذلك تحدياً سياسياً بقدر ما كان تأكيداً لفكرة أن القضاء إذا فقد استقلاله فقد معناه.
لهذا، وأنا أتابع عالم «فرصة أخيرة»، لم أرَ فقط شخصية القاضي على الشاشة، لكني رأيت صورة رجل يصعد إلى المنصة في صمت، رجلاه ترتجفان، لكن حكمه ثابت، لأنه لا يخاف المتهمين، ولا يخاف السلطة، ولا يخاف الرأي العام، بل يخاف فقط أن يظلم إنساناً، وهذا هو المعنى الحقيقي للعدالة.


تعليقات