فاروق الدسوقي يكتب: الشنطة فيها «وزة وبطة»
«كان يا ما كان، كان في زمان أغنية وحدوتة، نسمعها ونحكيها».
كانت الدنيا أبسط، لا لأن
الحياة كانت أرحم، لكن لأن ما قدم لنا أنقى، كان الطفل فينا يربى على لحن لا على
مؤثر صوتي، وعلى كلمة صادقة لا على «ترند» عابر.
لم يكن الزمن أجمل، لكننا
كنا أصغر بما يكفي لنراه كذلك، كانت الأغنية تدخل طفولتنا كما يدخل الضوء من شباك
مفتوح، بلا استئذان، أو شروط، فقط تبدأ، فننصت.

كبرنا على أغان لا تمسك
بكتف الطفل لتشده، لكنها تمشي جواره، خطوة بخطوة، كنا نجلس أمام التلفزيون ننتظر
الموسيقار محمد فوزي وهو يقول، كمن يطمئن قلبا صغيرا قلقا: «ماما زمانها جاية،
جاية بعد شوية»، فنصدق أن الغياب مؤقت، وأن الانتظار له نهاية، وأن الفرح قد يأتي
في «شنطة فيها وزة وبطة بتقول واك، واك، واك».
لم نضحك من الكلمات،
لكننا عشنا داخلها، كأنها عالم كامل يصلح لأن نختبئ فيه، ثم يأتي الليل، ويأتي معه
وعد آخر: «ذهب الليل، طلع الفجر»، كأن الأغنية لا تقول فقط إن الفجر قادم، بل إن
كل شيء يمر، الخوف، والعتمة، وبكاء الطفل قبل النوم.
وحين شاف العصفور «القطة
قالها بسبس»، وعندما «راحت القطة مخربشة إيده»، كنا نفهم أن التجربة جزء من
التعلم، وأن العالم يعلم بلطف، أحيانا بالخدش، لكن دون قسوة.
آه من الصباح حين يبدأ
بأغنية، شمس برتقالية تشرق من شاشة صغيرة، وصوت الفنان القدير عبد المنعم مدبولي
يضحك ويغني: «أنا أنا أنا.. إنا إنا إنا.. والشمس البرتقالي عليها ليه سنة»، لم
يكن الكلام سؤالا ولا لغزا، إنما لعبا طفوليا خفيفا، نردده دون تفكير، ونضحك لمجرد
الغناء.
كانت الأغنية تجعل الشمس
صديقة، وتجعل الصباح أخف، وكأن اليوم يبدأ بابتسامة، وحين يقول: «أنا ماشي في خط
سيري مشوفتش حد غيري»، يتعلم الطفل أن لكل واحد طريقه، وأن الخطأ جزء من
المشي، وأن السقوط «من الصديري» ليس نهاية الحكاية.
ثم يأتي وقت الأصوات التي
تشبه حضنا، الفنانة الكبيرة عفاف راضي تغني: «هم النم يا روحي يلا جايبالك مم»،
فنهدأ، لا لأننا أمرنا بالنوم، لكن لأن الصوت نفسه يطفئ القلق.
ومع النجمة الكبيرة
نيللي، تتحول الأغنية إلى حلم مرسوم: «كان فيه فراشة صغنططة مفرفشة ومزقططة»،
نراها «لابسة بلوزة منقطة على جونلة مخططة»، ثم «عند أشجار الليمون غابت تمام عن
النظر، ولونها تاه بين الغصون»، كان الطفل يتعلم أن الجمال لا يمسك، وأن بعض
الأشياء خلقت لترى فقط.
ومع الفنانة الكبيرة صفاء أبو السعود، يتحول
اليوم العادي إلى لعبة، نغني ونحن نغسل أسناننا، نضحك مع «الفرشة القروبة»، ونردد:
«الصف الفوقاني من فوقه لتحتيه»، فلا نشعر أن النظام ثقيل، ولا أن العادة مملة،
حتى الصابونة «الشقية المكارة» كانت صديقة مشاكسة، لا عدوا.
ثم نضحك أكثر، ونقفز مع
الفنانة صابرين: «أنا الفرخة وإحنا الكتاكيت»، نفرح بالجماعة، ونغني ونسأل: «أكلكو
إيه؟ أكلنا فتافيت»، ونكرر الألعاب: «تعرف تلعب؟ أعرف أشوط، أدي الكورة بالشلوط»،
ولا نشعر بنقص، لأن المشاركة كانت كافية.
نحن الآن، نرى أطفالنا
محاطين بالمؤثرات السريعة، والفلترات والصوت المرتفع، والـ«ترند» الذي لا يترك
مساحة للخيال، كل أغنية قديمة كانت تقول: «تعلم، العب، أبحث»، أما اليوم، كثير من
المحتوى يعلم التقليد، وليس الابتكار، السرعة وليس الصبر، المشاهدة وليس الاستماع.
كنا نغني مع بكار: «من
قلبه وروحه مصري والنيل جواه بيسري»، ونتعلم معنى الوطن، ونضحك مع بوجي وطمطم:
«حرمت يا بوجي.. حرمت ترمرم، آه حرمت» ونتعلم حمد النعم، ونشاهد الليلة الكبيرة:
«أنا شجيع السيمة، أبو شنب بريمة، أول ما أقول عالي هوب، وأصرخ لي صرخة، السبع
يتكهرب ويبقى فرخة»، فنفهم فولكلور المولد الشعبي.
الفرق ليس في الزمن، لكن
في الفلسفة، لم تكن أغنية الطفل قديما تسأل: كم مشاهدة؟ بل كانت تسأل: ماذا سيبقى؟
لم تكن تستعجل التأثير، إنما تراكم المعنى، ببطء، وحب.
لذلك نريد أن نتذكر أن الطفل يحتاج إلى لحن يعلمه كيف يحب، أغنية تربي الخيال، شمسا برتقالية جديدة تنير الصباح، وليكن حنيننا هذا دعوة لنعيد إلى زمن الأغنية معناها، وإلى الطفولة حقها في الجمال والبراءة.
تعليقات