المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2025

فاروق الدسوقي يكتب: الشنطة فيها «وزة وبطة»

صورة
«كان يا ما كان، كان في زمان أغنية وحدوتة، نسمعها ونحكيها». كانت الدنيا أبسط، لا لأن الحياة كانت أرحم، لكن لأن ما قدم لنا أنقى، كان الطفل فينا يربى على لحن لا على مؤثر صوتي، وعلى كلمة صادقة لا على «ترند» عابر. لم يكن الزمن أجمل، لكننا كنا أصغر بما يكفي لنراه كذلك، كانت الأغنية تدخل طفولتنا كما يدخل الضوء من شباك مفتوح، بلا استئذان، أو شروط، فقط تبدأ، فننصت. كبرنا على أغان لا تمسك بكتف الطفل لتشده، لكنها تمشي جواره، خطوة بخطوة، كنا نجلس أمام التلفزيون ننتظر الموسيقار محمد فوزي وهو يقول، كمن يطمئن قلبا صغيرا قلقا: «ماما زمانها جاية، جاية بعد شوية»، فنصدق أن الغياب مؤقت، وأن الانتظار له نهاية، وأن الفرح قد يأتي في «شنطة فيها وزة وبطة بتقول واك، واك، واك».  لم نضحك من الكلمات، لكننا عشنا داخلها، كأنها عالم كامل يصلح لأن نختبئ فيه، ثم يأتي الليل، ويأتي معه وعد آخر: «ذهب الليل، طلع الفجر»، كأن الأغنية لا تقول فقط إن الفجر قادم، بل إن كل شيء يمر، الخوف، والعتمة، وبكاء الطفل قبل النوم. وحين شاف العصفور «القطة قالها بسبس»، وعندما «راحت القطة مخربشة إيده»، كنا نفهم أن التجربة جزء من التعلم، و...

فاروق الدسوقي يكتب: موهبة لا يعرفها أحد

صورة
ليس بإمكان أي شخص أن يمتلك موهبة عظيمة، لكنها يمكن أن تأتي من أي مكان.. عندما سمعت هذه العبارة للمرة الأولى، لم أتخيل أنها قد تنطبق على أحد أصدقائي العاديين في الجامعة، لم يكن رساما، ولا موسيقيا، ولا شاعرا، لم يقف يوما على مسرح، ولم تعرض له لوحة أو فيلم في مهرجان، لكنه كان يملك موهبة من نوع آخر، موهبة لا ترى، ولا يعرف بها كثيرون: كان يقرأ الشفاه. نعم، حرفيا، يقرأ الشفاه كما يقرأ غيره الكتب، وكأن الكلمات تطبع في الهواء، فيراها قبل أن يسمعها أحد، لم أكن أعرف هذا السر حتى كشفتني ضحكة صغيرة. كان يوما عاديا من أيام الجامعة، والجو حار ومزدحم في ساحة الكلية، تقدمت نحوي زميلة غاضبة، تشتكي من صديقي بكلمات سريعة وانفعالية. كنت أحاول تهدئتها بابتسامة صغيرة، بريئة من النية، فقط لأخفف التوتر، ما لم أعلمه وقتها، أن صديقي كان هناك، على بعد أمتار، لم يسمع شيئا، لكنه رأى كل شيء. مرت الساعات، وفوجئت بأنه يتجنبني، لا يرد على مكالماتي، ولا يكلمني، بل يعبر بجانبي كأنني شخص غريب، وحين واجهته، كان سؤاله مباشرا، ومؤلما: ضحكت ليه لما فلانة شتمتني؟ ارتبكت، حاولت الإنكار، ألقيت اللوم على الزميلة، وقلت إنها تحاول...

فاروق الدسوقي يكتب: الفن ذاكرة البشرية وصرخة الإنسان

صورة
حين تضيق الحياة بأسئلتها، نكتشف أن الفن ليس ترفا جماليا ولا تزيينا للواقع، بل هو اللغة الوحيدة التي تعيد للإنسان صوته حين يسلب، وصورته حين تتشظى.  وبمحاولة تتبع معنى الفن بين أعمال خالدة في الغرب، وتجارب عربية صنعت وجدان أمة، نصل إلى سؤال أعمق: هل نلجأ إلى الفن لنبحث عن الجمال.. أم لننجو من العدم؟ لوحة ليلة النجوم عندما وقف فان غوخ أمام لوحته الأشهر ليلة النجوم عام 1889، لم يكن يرسم السماء بقدر ما كان يرسم ذاته، النقاد لاحقا، مثل سيمون شامه في دراسته عن الفن الغربي، وصفوا اللوحة بأنها أشبه بمانيفستو وجودي، حيث يتحول الليل من فضاء ساكن إلى دوامة مضطربة، كأنها صورة للروح البشرية في صراعها مع العدم. هذه اللوحة، التي لم تجد تقديرا في حياة صاحبها، صارت اليوم أيقونة تدرس في معاهد الفن، وتقرأ كدليل على أن الفن يولد من رحم الجرح، لا من رفاهية العيش. قبيل رحيله، كتب موزارت مقطوعته الشهيرة القداس الجنائزي، النقاد وصفوا هذا العمل بأنه أقرب ما يكون إلى صلاة خالدة ضد الفناء، الموسيقى هنا لم تكن مجرد نغم، بل مواجهة مباشرة مع النهاية، محاولة لانتزاع حياة ثانية من قلب الموت. الأمر ذاته مع بيتهوفن ...

فاروق الدسوقي: أصنام جماعة الإخوان المحظورة

صورة
أرتاب  من هذا الإنسان الذي وهب العقل كمنحة إلهية عظيمة، ثم قرر بإرادته أن يطفئ النور ليعيش في ظلال صنعها بيديه، ولد حرا، لكنه سار نحو سجنه بخطوات ثابتة، ورفع فوق رأسه أصناما جديدة، لا تشبه تماثيل الحجر القديمة، لكنها أخطر، كلمات، رموز، شعارات، وجماعات تجلَب في ثياب القداسة، فيسجد لها كما لو أنها قدر لا يرد. تغيرت الأصنام، نعم، لكنها لم ترحل. كانت يوما حجارة تعبد في المعابد، صارت اليوم أفكارا ترفع على المنابر، وصورا تعلو الجدران، وتعويذات تملأ العقول قبل البيوت، أصنام خفيفة الوزن، ثقيلة الأثر، لا تطلب سجود الجسد، بل سجود الوعي. خلق الله الإنسان ليفكر، ليقرأ، ليسأل، ليبحث عن الحقيقة بلا وسيط ولا جلاد،  لكن هؤلاء، كلما ذكر العقل قالوا: فتنة،  وكلما ظهر السؤال قالوا: محرم،  وكلما اختلف أحدهم قالوا: رجس. نسي هؤلاء أن الإيمان الذي يخاف السؤال هش، وأن الدين الذي يرتجف أمام التفكير ليس من نور الله، بل من ظلام البشر. وليس الأمر جديدًا على الإنسانية..  منذ سومر وبابل، كانت الأصنام ترفع لتحدد من يفكر ومن يمنع من التفكير،  وفي أوروبا القرون الوسطى، كانت الكتب تحرق حتى ...

فاروق الدسوقي يكتب: عمر مروان.. قاضي في قلب العاصفة

صورة
ليس كل رجل عظيم هو من تصطف حوله الهتافات، وليس كل أثر عميق يترك صخبا خلفه، هناك رجال يمرون في حياة الدولة كما يمر النهر تحت الجسر، لا يلتفت إليهم العابرون، لكن لولاهم لما وصل أحد إلى الضفة الأخرى. المستشار عمر مروان واحد من هؤلاء. في زمن اعتاد أن يقيس الرجال بقوة الصوت واتساع الحضور الإعلامي، اختار هو أن يخفض صوته ليقاس بعمق الأثر لا بضجيج الظهور. لا شيء في ملامحه يوحي بالاستعلاء، ولا شيء في لغته يحمل تهديدا أو استعراضا، كأن الرجل أدرك مبكرا أن الهيبة الحقيقية لا تصنع بالصوت العالي، لكن بالثبات، حين تراه، تشعر أنك أمام شخص لا يسابق الزمن، بل يسير معه، يعرف حدوده، ويحترم ثقل اللحظة. بدأ قاضيا، والقضاء ليس طريقا محايدا كما يخيل للبعض، هو احتكاك يومي بالكسور الإنسانية، وجوه تنتظر، أصوات ترتجف، مصائر تكتب في هدوء قد يبدو قاسيا لمن لا يعرف أن العدالة، في جوهرها، ليست لحظة انتصار، بل محاولة دائمة لتقليل الخسارة. هناك، في تلك المسافة الدقيقة بين النصوص القانونية والإنسانية، تشكل وعي رجل يفهم أن القانون إن لم يمسك بيد البشر يتحول إلى عبء، وأن الهيبة إن لم تحمل بتواضع تتحول إلى قسوة. ولعل ما كش...

فاروق الدسوقي يكتب: من قتل الشيف غوستو؟

صورة
يتسلل فيلم الكارتون الشهير الفأر الطباخ إلى قلبي، في هيئة حكاية خفيفة، كأنها استراحة طفولية من ثقل العالم، ضحكة سريعة، ألوان دافئة، ومطبخ يلمع كأن الحياة لا تزال بخير، ثم، كما تفعل الأعمال الكبيرة، يجعلني أبتسم أولا، قبل أن يضع يده بهدوء على الجرح . أبدأ المشاهدة، وأنا أظن أنني أمام فيلم للأطفال، نار هادئة، أواني تفيض، وطاه ممتلئ الجسد يضحك كأنه يوزع الطمأنينة مع الطعام، لكن ما إن أنصت قليلا، حتى أدرك أنه لا يتحدث عن الطبخ أصلا، لكن عن الإنسان عندما يسقط من علو موهبته، عن تلك اللحظة التي لا ننتبه فيها إلى أن السقوط بدأ، إلا بعد فوات الأوان . لم يكن الشيف أوغست غوستو أعظم طاه لأن طعامه مثالي، لكن لأنه يؤمن بأن العبقرية لا تسأل عن الاسم، ولا عن الأصل، ولا عن الشكل، وأن أي شخص يستطيع أن يطبخ . يصعد غوستو بثقة رجل لا يصرخ ليثبت نفسه، إلى أن يكتب الناقد أنطون إيغو جملة، لم تكن شتيمة، أو فضيحة، كانت نقدا باردا، نظيف الصياغة، قاتلا في أثره . ومن هنا يبدأ الموت الحقيقي، لم يمت غوستو لحظة القراءة، بل مات حين صدق، وسمح للكلمة أن تعيد تعريفه، ورضي أن تختصر حياته كلها في رأي شخص واحد، لم يهلك بسكي...

فاروق الدسوقي يكتب: مذكرات رجل تعلم الحب من طفلته

صورة
لم أتعلم الحب في شبابي، عرفته متأخرا، على يد طفلتي، لم أكن أدرك أن صغيرة بضفيرة شعر، وصوت ضحكة، يمكنها أن تغير مجرى حياتي بالكامل. دخلت الأبوة كما يدخل الذكور الأشياء الكبرى، بثقة أرفعها مثل درع، وخوف أخبئه كعيب، وأفكار موروثة أدافع عنها أكثر مما أفهمها. كأغلب الرجال، كنت أؤمن بفكرة أن الولد سند، وأتصور أن الرجولة تورث بالاسم، والقوة، والخشونة، والصوت العالي. كنت أظن أن العصبية جزء أصيل من الأبوة، وأن الحزم لا يكتمل إلا بالقسوة، وأن الولد هو الامتداد الطبيعي، والنسخة الأقرب، والمرآة. حتى جاءت طفلتي أسمى، لتعيد ترتيب الصورة، لم تغيرني بكلمة أو عتاب، لكنها فعلت ذلك بنظرة، لمحة خوف في عينيها عندما أرفع صوتي، دهشة عندما أغضب بلا سبب، وصمت تقول به أكثر مما تقوله الكلمات. كنت عصبيا، أغضب سريعا، أضيق بالعالم، وأحمل همومي كأنها معركة يجب أن أربحها وحدي، لكن كيف لرجل أن يصرخ، وطفلته تمسك يده وتقول: «بابا، اهدأ، أنا هنا». تعلمت معها أن الرجولة ليست في الصوت العالي، إنما في القدرة على الاحتواء، وأن القوة ليست في الغضب، لكن في السيطرة عليه، وأن الحنان لا ينتقص من الرجل شيئا، بل يضيف إليه إنسانا. ل...

فاروق الدسوقي يكتب: وحش فرانكنشتاين يعيش بيننا

صورة
قد تندهش عند قراءة عنوان هذا المقال، وتعتبره مبالغة وتهويل، لكن الحقيقة التي أؤمن بها أن الوحش الذي تخيلته الكاتبة الإنجليزية ماري شيلي قبل أكثر من قرنين في روايتها فرانكنشتاين، لم يبق أسير القصة، لأننا نلتقيه في حياتنا بشكل يومي، لا بوجهه المرعب أو جسده المرقع من الجثث، إنما بأجساد ووجوه أخرى أشد خطورة . عندما فتحت العمل الأدبي، لم أقرأ عن حكاية شاب طموح يتلاعب بالعلم ليخلق مسخا من أشلاء الموتى فحسب، لكن وجدت أثرا لطفولة جرحت ولم تشف، وإنسانا حمل في باطنه حزنا قديما ظل ينمو في الخفاء حتى صار شخصا مفترسا . فقبل أن يكون فيكتور فرانكنشتاين، بطل الحدوتة، عالما كبيرا، كان طفلا رحلت أمه، قلب البيت وروحه، فجأة، فانهار شيء عميق داخله، أمرا لم يتمكن العلم ولا الزمن من إصلاحه . ومنذ تلك اللحظة تشكل لديه تساؤل لم يفارقه: لماذا وقف الكافة عاجزين أمام موتها؟ ولماذا لم يستطع والده، الرجل القوي، أن ينقذها؟ حتى تحولت رغبته في المعرفة إلى محاولة للثأر والانتقام من الموت نفسه، والقول للعالم: «أقدر على ما لم يقدر عليه أبي، كان يمكن إنقاذ أمي لو كنت أقوى». كان مشروعه العلمي تجربة يائسة لاستعادة حضن غاب، ...

فاروق الدسوقي يكتب: كل شيء يبدو كأنه حدث من قبل

صورة
يخبرني صديقي دائما إننا نعيش في زمن عشناه من قبل، لا يقول جملته كحكمة، أو ادعاء، إنما كمن يحاول أن يوقظني من نوم لا أعرف متى بدأ. ويضيف بسكون وثقة رجل رأى ما لا يحكى: «جرى فيه ما جرى.. ثم نمنا، وعندما استيقظنا، وجدنا أنفسنا في هذا العالم، إصدار معدل من دنيا نسيناها تماما». أضحك كلما روى ذلك، لكن شيئا في داخلي ينكمش، وكلما حاولت أن أفتح فمي لأعترض، أجد خاطرا يخرسني، كأن عبارة واحدة يمكنها أن تشق شرخا في جدار المنطق، وتسمح لأمر عتيق بالدخول، ك ظلك إن وقف خلفك، لا أمامك،  فالإنسان مهما ادعى الحجة، يعرف في أعماقه أن هناك ما يتجاوز الذكريات،   تلتقطه الروح، ثم يدركه العقل. أحيانا، نعبر شارعا، فنشعر أننا مشينا فيه، نسمع كلمة عابرة، فنهتز كما لو أننا ننصت لجزء ناقص من حديث معاد، نلتقي أشخاصا غرباء، فننجذب إليهم أو ننفر منهم من غير مبرر ظاهر، كأنما الفؤاد  يحتفظ بأرشيف لا يطلع عليه أحد. أفكر في كلامه وأنا أصعد إلى عيادة الطبيب في الطابق التاسع، تلك التي يصر «الأسانسير» أن يتعطل عندها ، حتى بدا لي أنه جزء من سيناريو محفوظ. تتوقف أبوابه بالطريقة و في اللحظة نفسها، فأضطر بعدها للنزو...