فاروق الدسوقي يكتب: عمر مروان.. قاضي في قلب العاصفة

ليس كل رجل عظيم هو من تصطف حوله الهتافات، وليس كل أثر عميق يترك صخبا خلفه، هناك رجال يمرون في حياة الدولة كما يمر النهر تحت الجسر، لا يلتفت إليهم العابرون، لكن لولاهم لما وصل أحد إلى الضفة الأخرى.

المستشار عمر مروان واحد من هؤلاء.

في زمن اعتاد أن يقيس الرجال بقوة الصوت واتساع الحضور الإعلامي، اختار هو أن يخفض صوته ليقاس بعمق الأثر لا بضجيج الظهور.

لا شيء في ملامحه يوحي بالاستعلاء، ولا شيء في لغته يحمل تهديدا أو استعراضا، كأن الرجل أدرك مبكرا أن الهيبة الحقيقية لا تصنع بالصوت العالي، لكن بالثبات، حين تراه، تشعر أنك أمام شخص لا يسابق الزمن، بل يسير معه، يعرف حدوده، ويحترم ثقل اللحظة.

بدأ قاضيا، والقضاء ليس طريقا محايدا كما يخيل للبعض، هو احتكاك يومي بالكسور الإنسانية، وجوه تنتظر، أصوات ترتجف، مصائر تكتب في هدوء قد يبدو قاسيا لمن لا يعرف أن العدالة، في جوهرها، ليست لحظة انتصار، بل محاولة دائمة لتقليل الخسارة.

هناك، في تلك المسافة الدقيقة بين النصوص القانونية والإنسانية، تشكل وعي رجل يفهم أن القانون إن لم يمسك بيد البشر يتحول إلى عبء، وأن الهيبة إن لم تحمل بتواضع تتحول إلى قسوة.

ولعل ما كشف هذا الجانب الإنساني فيه أكثر من أي منصب، هو تلك اللحظة التي خرج فيها الإنسان من خلف الروب، حين تحدث عن شقيقه الأصغر القاضي محمد مروان الذي استشهد في العريش على يد الإرهاب الأسود وقت إشرافه على الانتخابات بشمال سيناء، لم يتكلم كمسؤول، بل كأخ، كإنسان فوجئ بأن الفقد لا يدار بالمنطق، وأن الألم لا يعترف بالمناصب.

بكى، ولم يحاول أن يخفي بكاءه، في عالم سياسي يتقن إخفاء المشاعر أو توظيفها، كان هذا البكاء لحظة صدق نادرة تقول إن الرجل الذي يتعامل يوميا مع الملفات الثقيلة، لا يزال يحتفظ بقلب لم تفسده السلطة، ولم تدربه على التماسك الزائف.

حين قال: «الإرهاب لن يهزمنا»، لم يكن يرفع شعارا، بل كان يواسي نفسه أولا، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد من الممكن قراءة مسيرته بوصفها مسارا وظيفيا فقط، بل بوصفها مسار إنسان عرف الثمن الحقيقي لما يسمى «الخدمة العامة».

في لحظات مفصلية، عندمت كانت البلاد تمشي على أرض غير ثابتة، حين كان يمثل مصر في ملفات شديدة الحساسية، كان حاضرا لا كمنقذ، بل كمن يحاول أن يبقي العقل يقظا وسط الفوضى، في لجان تقصي الحقائق، وفي إدارة الانتخابات، وفي الملفات التي لا تحتمل الخطأ، كان دوره شبيها بدور من يمسك الخيط الأخير كي لا تنفرط العقدة، لا يطلب الشكر، ولا ينتظر التصفيق، هو فقط يتأكد أن الليل يمر بأقل الخسائر.

الاحتفاء به يبدأ من هنا، من كونه رجلا لم يهرب من اللحظة الصعبة، ولم يستغلها لصناعة صورة، بل تحملها كما يتحمل المرء واجبا ثقيلا يعرف أنه لا بديل عنه.

وحين اقترب من السياسة، لم يفقد روحه القضائية، لم يتحول إلى سياسي تقليدي، ولم يغره اللعب على الحبال، بقي رجل مؤسسات، يرى الدولة ككائن حي يحتاج إلى توازن، لا إلى مغامرات، كان يعرف أن مصر لا تتحمل مزيدا من القفز في المجهول، وأن الحكمة أحيانا تكون في التهدئة لا في التصعيد، وهنا، يصبح الاحتفاء به احتفاء بالعقلانية في زمن الانفعال.

وحين تولى وزارة العدل، لم يعد يتعامل مع الملفات، بل مع البشر، مواطن ينتظر توثيق عقد، أم تبحث عن نفقة، طفل يدخل المحكمة للمرة الأولى.

هذه ليست عناوين سياسية، بل تفاصيل إنسانية، اختار أن ينشغل بما لا يلمع، تحديث إجراءات، رقمنة خدمات، محاولات لجعل المحاكم أقل قسوة، وفهم عميق لفكرة بسيطة، أن العدالة التي تتأخر، أو ترهق أصحابها، تفقد معناها الإنساني مهما كانت نصوصها جميلة.

قد لا تثير هذه الكلمات العاطفة، لكنها تصنع فرقا حقيقيا في حياة الناس، وهنا، يظهر وجه آخر لعمر مروان، الرجل الذي يؤمن بأن الكرامة تبدأ من الخدمة العادلة.

ليس من السهل، بعد كل ذلك، أن تكتب عن رجل لم يسع يوما لأن يكون بطلا، ولم يطلب من الناس أن يلتفتوا إليه، ومع ذلك ظل حاضرا في لحظات لو غاب فيها العقل لاختل الميزان، فهناك رجال يمرون في حياة الدول كما تمر اليد الخفية التي تمنع السقوط قبل أن يحدث، لا يراها أحد، لكن الجميع ينجو بفضلها. 

وعمر مروان واحد من هؤلاء.

وفي المحافل الدولية، لم يكن صوته مرتفعا، لكنه كان ثابتا، دافع عن بلاده دون إنفعال، فليس سهلا أن تمثل دولة مثقلة بالاتهامات، ولا سهلا أن تشرح واقعا لا يختصر في بيان، هناك، لم يكن الرجل يبرر، بل يشرح، وهذا فرق كبير.

في ملف حقوق الإنسان، حين ترأس الوفد المصرى الذى سافر إلى جنيف لاستعراض ملف حقوق الإنسان الخاص بمصر ضمن المراجعة الدورية الشاملة بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لم يكن الطريق ممهدا، كان يعرف أن العالم لا ينظر بعين واحدة، وأن أي كلمة ستفسر ألف مرة، ومع ذلك، اختار أن يتحدث دون عصبية، ودون إنكار، ودون ادعاء كمال.

قد يختلف الناس مع ما قاله، وهذا طبيعي، لكن ما لا يمكن تجاهله أنه اختار لغة العقل، لا لغة التحدي الأجوف، لغة من يعرف أن الدفاع الحقيقي عن الدولة لا يكون بالصوت المرتفع، بل بالاتساق والصبر والقدرة على الشرح.

ثم جاء موقعه كمدير لمكتب رئيس الجمهورية، وكأن المسار كله كان يقوده إلى هذه النقطة التي يختفي فيها الإنسان خلف الدور.

هذا المنصب لا يمنح شهرة، ولا يسمح بالخطأ، ولا يترك مساحة للأنا، هو موقع ثقة قبل أن يكون موقع سلطة، فهذا الموقع لا يحتمل الاستعراض، ولا يسمح بالخطأ، فهو موقع يحتاج إلى شخص يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يحمي الرئيس من التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، وأن يصل الرجل إلى هنا، فهذا يعني أن مسيرته لم تكن عبثا.

وما يلفت الانتباه أكثر، أن عمر مروان لم يحاول يوما أن يقدم نفسه كنموذج، ولا كبطل، ولا كحالة استثنائية، بقي إنسانا يعمل، يخطئ، يصيب، ويتحمل، لم يترك خلفه ضجيجا، لكنه ترك أثرا، ولم يستخدم المنصب ليصنع مجدا شخصيا، وهذا، في حد ذاته، قيمة نادرة.

لذلك تحتاج الدولة إلى هذا النوع من الرجال الذين لا يطلبون البطولة، ولا يهربون من المسؤولية، رجال يعرفون أن البناء أبطأ من الهدم، وأصعب، وأقل إبهارا.

ولهذا، فإن الاحتفاء به ليس واجبا رسميا، بل اعتراف إنساني برجل اختار أن يخدم في أصعب الأماكن، دون أن يطلب المقابل، ودون أن يساوم على هدوئه الداخلي.

وهذه السطور، ما هي إلا لحظة إنصاف هادئة لرجل مشى طويلا دون أن يطلب من أحد أن ينظر إليه، فهو رجل اختار أن يكون في قلب العاصفة، لكن دون أن يرفع صوته، ودون أن يمد يده ليلتقط مجدا سهلا.

وربما أكثر ما يجعل الاحتفاء به إنسانيا، هو ما لم نعرفه عنه، لم يحول حياته الخاصة إلى مادة، ولم يستثمر المنصب في صناعة صورة، بقي في الظل، كأنما اختار عمدا أن يفصل بين الإنسان والدور، حتى لا يبتلع أحدهما الآخر.

ففي زمن صار فيه الظهور قيمة بحد ذاته، يصبح الاختفاء اختيارا أخلاقيا، وعمر مروان اختار أن يكون حاضرا بأثره، لا بصورته.

هذا النص ليس تبريرا، ولا محاولة لتلميع، بل اعتراف بقيمة نمط نادر من الرجال، الذين يعملون في مناطق تحتاج إلى قدر كبير من الصدق والصبر.

قد لا يعرفه كثيرون، وقد لا يهتف له الشارع، لكن كثيرين مروا بتجارب أقل قسوة، لأنه اختار أن يشتغل على التفاصيل بدل أن يكتفي بالكلام عنها.

عمر مروان، ليس بطلا في رواية، ولا رمزا في شعار، بل رجل أدى ما عليه في زمن صعب، وحاول، بقدر ما استطاع، أن يجعل الدولة أقل حدة، والقانون أقل وجعا، والسلطة أقل صخبا.

ولهذا، يستحق هذا الاحتفاء الهادئ، الذي لا يرفعه فوق البشر، ولا ينزعه من النقد، بل يضعه في مكان عادل، مكان رجل اختار أن يكون نافعا، وبقي إنسانا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: الوقوع في حب مدرسة سناء منصور

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى نقيب الصحفيين.. لماذا لم تأتِ؟

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً