فاروق الدسوقي يكتب: عاد من الموت ليدفن أعداءه أحياء

في الليلة التي مات فيها، لم يشعر سليم بالألم، فقط بالبرد.

برد غريب لا يشبه الشتاء، بل برد الانطفاء حين تتوقف روحك عن الإيمان بكل ما حولك.

كان قد تعب من الكتابة في عالمٍ لا يقرأ، ومن الصراخ في مدينةٍ لا تسمع، ومن الدفاع عن الحقيقة أمام أناسٍ يفضلون الأكاذيب لأنها أكثر راحة.

كان صحفيا بسيطا، لا يملك سوى قلمه وقلبه، وكلاهما كان صادقًا أكثر مما ينبغي.

كتب ما يجب أن يقال، فاتهموه بما لم يفعل، شوهوا اسمه، تركوه وحيدا في ممر طويل من الخذلان.

وحين سقط، لم يمد أحد يده.

حتى الذين بكوه بعد موته، هم أنفسهم الذين صمتوا حين كان بحاجةٍ إلى صوت واحد فقط يقول: أنا معك.

دفنوه على عجل، كأنهم يريدون إغلاق صفحةٍ مزعجة من ضميرهم.

لكن الموت، على ما يبدو، لم يقتنع.

بعد عام، استيقظ سليم.

لم يكن يعرف إن كان قد عاد إلى الحياة، أم أن الحياة عادت إليه.

كان جسده مثخنا بالندوب، وذاكرته غائمة كسماء بعد المطر، لكن قلبه كان واعيا، حاضرا، يعرف تماما من الذي خانه، ومن الذي تواطأ، ومن الذي اكتفى بالمشاهدة.

خرج إلى الشوارع القديمة، فوجدها كما تركها، نفس الضوضاء، نفس الأكاذيب، نفس الوجوه التي تمشي بخفة فوق وجع الآخرين.

لم يتعرف عليه أحد، كأن الموت غير ملامحه ليبدأ من جديد، كأنه عاد غريبا في مدين ما زالت تحتفي بموته.

لم يعد يريد الانتقام، كان يريد شيئا أعمق: أن يجعلهم يرون أنفسهم كما رآهم يوم دفنوه.

أن يضع أمام كل واحد منهم مرآة من ضوء لا يرحم.

بدأ بصديقه القديم، الذي باعه بصمته في لحظة كان فيها الكلام حياة.

وجده جالسا في مقهى أنيق، يضحك وسط الناس، يروي النكات، كأن الضمير رفاهية يمكن الاستغناء عنها.

اقترب منه بهدوء شديد، جلس أمامه، لم يتكلم في البداية، فقط نظر إليه طويلا.

تجمد الضحك في فمه، وارتبكت يده على فنجان القهوة.

قال له سليم بصوت خافت كأنه يأتي من مكان بعيد: هل تتذكر الرجل الذي مات لأنك خفت أن تقول الحقيقة؟

لم ينتظر جوابا، تركه غارقا في عرقه، وعاد إلى صمته.

ومنذ تلك الليلة، لم ير صديقه يضحك في أي مقهى.

ثم ذهب إلى ليلى، تلك التي كانت حبه الوحيد وجرحه الأعمق.

فتحت الباب فرأته، فتراجع وجهها خطوة إلى الوراء، كأنها رأت ذنبها يتجسد أمامها.

قال بهدوء مبلل بالصفح: لم أعد لأعاتبك.

ترددت لحظة، ثم سألته بصوت مرتجف: "إذا لماذا عدت؟"

ابتسم وقال: لأغفر.

ثم أضاف بعد صمت طويل: أحيانا الغفران أصعب من الموت.

بكت كما لم تبك من قبل، كأنها انتظرت تلك الجملة منذ زمن بعيد، وغادرها وهو يشعر أنه دفن ألما، لا امرأة.

ليلا بعد ليل، كان يزور الذين ساهموا في موته، لا ليقتلهم، بل ليوقظهم.

كان يدفنهم أحياء، كل نظرة منه كانت تهيل حفنة من الحقيقة على وجوههم.

كل كلمة منه كانت تغلق بابا في داخلهم لا يفتح ثانية.

لم يحمل معولا ولا سكينا، بل حمل صمته، الذي كان أقوى من أي سلاح.

ومع كل من واجهه، كان يشعر أن شيئا فيه يتبدل.

كأن الغضب يذوب شيئا فشيئا، وكأن كل دفن جديد يحرره هو أيضا من شيء في داخله.

حتى صار يدرك أن العدالة ليست أن ترى خصمك يعاني، بل أن ترى نفسك تتعافى.

في صباح رمادي، ذهب إلى المقبرة.

وقف أمام قبره الحقيقي، قرأ اسمه على الرخام، فتذكر وجهه القديم بكل ما فيه من ضعف وصدق وخذلان.

جلس على الأرض، وضع يده على شاهد القبر وقال بصوت يشبه الاعتراف: دفنتهم جميعا يا سليم.. لكنك أنت أيضا كنت تحتاج أن تدفن لتولد من جديد.

ثم ابتسم، أغمض عينيه، واستسلم لسكينة لم يعرفها من قبل.

حين جاء حارس المقابر، وجده نائما بجوار قبر يحمل اسمه نفسه.

على وجهه ابتسامة خفيفة، وفي يده حفنة تراب، كأنه كان يدفن شيئا لا أحد يعرف ما هو.

ومنذ تلك الليلة، تغير شيء صغير في المدينة.

صارت الأكاذيب أبطأ في الانتشار، والخيانة أقل حماسة، والناس أكثر ترددا قبل أن يبيعوا ضمائرهم.

كأن روحا ما مرت بهم وأيقظت ما تبقى من إنسانيتهم.

وربما لم يعد سليم من الموت لينتقم، بل ليذكرهم أن الموت الحقيقي لا يحدث حين يتوقف القلب، بل حين نصمت عن الحقيقة، ونبرر القبح باسم النجاة، ونترك ضميرنا يدفن دون شاهد قبر.

وربما كان غفرانه لهم هو شكل من أشكال انتصاره الأخير، انتصار الإنسان على الجرح، والحياة على الموت، والنور على ما تبقى من عتمة فينا جميعا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: الوقوع في حب مدرسة سناء منصور

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى نقيب الصحفيين.. لماذا لم تأتِ؟

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً