فاروق الدسوقي يكتب: الفن ذاكرة البشرية وصرخة الإنسان

حين تضيق الحياة بأسئلتها، نكتشف أن الفن ليس ترفا جماليا ولا تزيينا للواقع، بل هو اللغة الوحيدة التي تعيد للإنسان صوته حين يسلب، وصورته حين تتشظى. 

وبمحاولة تتبع معنى الفن بين أعمال خالدة في الغرب، وتجارب عربية صنعت وجدان أمة، نصل إلى سؤال أعمق: هل نلجأ إلى الفن لنبحث عن الجمال.. أم لننجو من العدم؟

لوحة ليلة النجوم

عندما وقف فان غوخ أمام لوحته الأشهر ليلة النجوم عام 1889، لم يكن يرسم السماء بقدر ما كان يرسم ذاته، النقاد لاحقا، مثل سيمون شامه في دراسته عن الفن الغربي، وصفوا اللوحة بأنها أشبه بمانيفستو وجودي، حيث يتحول الليل من فضاء ساكن إلى دوامة مضطربة، كأنها صورة للروح البشرية في صراعها مع العدم.

هذه اللوحة، التي لم تجد تقديرا في حياة صاحبها، صارت اليوم أيقونة تدرس في معاهد الفن، وتقرأ كدليل على أن الفن يولد من رحم الجرح، لا من رفاهية العيش.

قبيل رحيله، كتب موزارت مقطوعته الشهيرة القداس الجنائزي، النقاد وصفوا هذا العمل بأنه أقرب ما يكون إلى صلاة خالدة ضد الفناء، الموسيقى هنا لم تكن مجرد نغم، بل مواجهة مباشرة مع النهاية، محاولة لانتزاع حياة ثانية من قلب الموت.

الأمر ذاته مع بيتهوفن في السيمفونية التاسعة، التي كتبها وهو أصم، النقّاد، من بينهم ريتشارد فاغنر لاحقا، اعتبروا العمل انتصارا للروح على حدود الجسد، وكأن الفن يثبت أن الإبداع ليس حاسة، إنما جوهر إنساني يتخطى العجز.

أما بيكاسو، فحول رعب الحرب الأهلية الإسبانية إلى لوحة غيرنيكا، التي عرضت لأول مرة في باريس، واعتبرها النقاد أكثر عمل فني سياسي صدقا في القرن العشرين، حتى غدت رمزا عالميا ضد وحشية الحرب.

 لوحة غيرنيكا

لكن الفن ليس حكرًا على الغرب، في القاهرة، حين تغني أم كلثوم الأطلال، ينهار الزمن، ويتحول الصوت إلى جسر يعبر بك من جرحك الخاص إلى جرح إنساني أوسع، النقاد وصفوا الأغنية بأنها وثيقة وجدانية لعصر كامل، بينما اعتبرها الجمهور ذاكرة الأمة.

في التشكيل، حمل محمود سعيد ملامح مصر الشعبية إلى لوحاته، الصيادون، الفلاحون، النساء، النقاد وصفوا أعماله بأنها هوية بصرية لمصر الحديثة، فيما رأى مؤرخون فنيون أنه رسم مصر كما رآها في عمقها الاجتماعي لا في سطحها السياحي.

أما السينما، فقد تجسدت في يوسف شاهين، خصوصا في فيلمه الأرض، الذي اعتبره نقاد أنه العمل الأكثر اكتمالا في تاريخ السينما المصرية، لأنه لم يقدم مجرد قصة فلاحين، بل صراع وطن على حقه في الحياة.

وفي الشعر، كتب محمود درويش جملته الشهيرة: على هذه الأرض ما يستحق الحياة، النقاد الغربيون، رأوا فيه شاعر القضية الفلسطينية، لكن تأثيره تجاوز حدود السياسة ليصبح شاعر الإنسان، أي إنسان يواجه الخسارة ويحلم بالحرية.

تتفق هذه الأعمال، من فان غوخ إلى درويش، على أن الفن ليس ترفا ولا تزيينا للحياة، إنه الذاكرة الجماعية للبشرية، وأحيانا سلاحها الوحيد ضد العدم.

الفن يلتقط لحظات الألم الفردي، جنون فان غوخ، صمم بيتهوفن، عزلة شاهين، اغتراب درويش، ويحولها إلى لغة مشتركة يتقاسمها الجميع.

هكذا، يصبح الفن في جوهره سؤالا عن النجاة، لا عن الجمال، هو المرآة التي تعكس أرواحنا كما يجب أن تكون، لا كما هي، هو الصرخة التي تنقذنا من صمتنا، واللون الذي يترجم ما لا يقال، واللحن الذي يمنحنا عزاء ونحن على حافة الهاوية.

ولذلك، لا نسأل: ما جدوى الفن؟ بل نسأل: أي حياة يمكن أن نحياها من دونه؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: الوقوع في حب مدرسة سناء منصور

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى نقيب الصحفيين.. لماذا لم تأتِ؟

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً