فاروق الدسوقي: أصنام جماعة الإخوان المحظورة

أرتاب من هذا الإنسان الذي وهب العقل كمنحة إلهية عظيمة، ثم قرر بإرادته أن يطفئ النور ليعيش في ظلال صنعها بيديه، ولد حرا، لكنه سار نحو سجنه بخطوات ثابتة، ورفع فوق رأسه أصناما جديدة، لا تشبه تماثيل الحجر القديمة، لكنها أخطر، كلمات، رموز، شعارات، وجماعات تجلَب في ثياب القداسة، فيسجد لها كما لو أنها قدر لا يرد.


تغيرت الأصنام، نعم، لكنها لم ترحل.

كانت يوما حجارة تعبد في المعابد، صارت اليوم أفكارا ترفع على المنابر، وصورا تعلو الجدران، وتعويذات تملأ العقول قبل البيوت، أصنام خفيفة الوزن، ثقيلة الأثر، لا تطلب سجود الجسد، بل سجود الوعي.

خلق الله الإنسان ليفكر، ليقرأ، ليسأل، ليبحث عن الحقيقة بلا وسيط ولا جلاد، لكن هؤلاء، كلما ذكر العقل قالوا: فتنة، وكلما ظهر السؤال قالوا: محرم، وكلما اختلف أحدهم قالوا: رجس.

نسي هؤلاء أن الإيمان الذي يخاف السؤال هش، وأن الدين الذي يرتجف أمام التفكير ليس من نور الله، بل من ظلام البشر.

وليس الأمر جديدًا على الإنسانية.. منذ سومر وبابل، كانت الأصنام ترفع لتحدد من يفكر ومن يمنع من التفكير، وفي أوروبا القرون الوسطى، كانت الكتب تحرق حتى لا ترتفع للعقل أجنحة.

وفي عالمنا العربي، كان البعض دائمًا يخشى أن يتحول العقل إلى مرآة تكشف زيفه، فيرفع شعار الجماعة فوق الوطن، ويرفع صوت الزعيم فوق صوت الإنسان.

تاريخنا شاهد.. من 1919 إلى 25 يناير، كان هناك دائما من يحاول سرقة الفرح، وتحريف الوطنية، ودفن الوعي في شعارات تستخدم لإلغاء السؤال.

اليوم يتكرر المشهد بوضوح مدهش، جماعات تحاول أن تحل محل الوطن، تجعل الولاء لها أهم من الولاء لمصر نفسها، جماعات مثل الإخوان التي حولت الفكرة إلى صنم، والتنظيم إلى إله صغير، والاختلاف معها إلى خيانة.

وكلما حقق الوطن إنجازا، خرجوا ليكسروا الفرح، يفتشون في الضوء عن ظلال، وفي النجاح عن ثغرات، وفي الانتماء عن فتنة.

لا يطيقون أن يرى الناس وطنهم بمنظار الحب، فيحاولون بكل ما استطاعوا تحويل كل لحظة نور إلى منطقة شك.

لكن.. ما دام الله يترك نوره في القلوب، فلن ينجح الظلام في إغلاق العيون.

الوعي قد ينام، لكنه لا يموت.

والعقل قد يصمت، لكنه لا ينسى طريقه إلى السؤال.

والإنسان، مهما أثقلته الأصنام، يحمل في داخله بذرة نور، إن سقيت بالتفكير أزهرت، وإن لامست الحرية نمت.

فالطريق إلى الله لا يمر عبر المرشد، ولا عبر الجماعة، ولا عبر الفكرة المقدسة، بل عبر عقل حر لا يستعبد، وقلب يرى الحق أكبر من أي شعار.

إن من يعبد الفكرة يفقد الإنسان، ومن يقدس الجماعة يخسر الوطن، ومن يرفع الأصنام على حساب العقل، يدفن روحه بيده.

أرتاب، لكني ما زلت أؤمن أن الريح ستظل تزيح غبار الجهل، وأن الضوء سيشق طريقه مهما اشتدت العتمة، وأن الوعي سيبقى يتسلل من أصغر الشقوق ليحرر الروح، ويعيد للحرية معناها، ويذكر الإنسان أنه خلق ليفكر، لا ليسجَن بين أصنام البشر وأوهامهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: الوقوع في حب مدرسة سناء منصور

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى نقيب الصحفيين.. لماذا لم تأتِ؟

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً