فاروق الدسوقي يكتب: مذكرات رجل تعلم الحب من طفلته
لم أتعلم الحب في
شبابي، عرفته متأخرا، على يد طفلتي، لم أكن أدرك أن صغيرة بضفيرة شعر، وصوت ضحكة،
يمكنها أن تغير مجرى حياتي بالكامل.
دخلت الأبوة كما يدخل الذكور الأشياء الكبرى، بثقة أرفعها مثل درع، وخوف أخبئه كعيب، وأفكار موروثة أدافع عنها أكثر مما أفهمها.

كأغلب الرجال، كنت أؤمن بفكرة أن الولد سند، وأتصور أن الرجولة تورث بالاسم، والقوة، والخشونة، والصوت العالي.
كنت أظن أن العصبية جزء أصيل من الأبوة، وأن الحزم لا يكتمل إلا بالقسوة، وأن الولد هو الامتداد الطبيعي، والنسخة الأقرب، والمرآة.
حتى جاءت طفلتي أسمى، لتعيد ترتيب الصورة، لم تغيرني بكلمة أو عتاب، لكنها فعلت ذلك بنظرة، لمحة خوف في عينيها عندما أرفع صوتي، دهشة عندما أغضب بلا سبب، وصمت تقول به أكثر مما تقوله الكلمات.
كنت عصبيا، أغضب سريعا، أضيق بالعالم، وأحمل همومي كأنها معركة يجب أن أربحها وحدي، لكن كيف لرجل أن يصرخ، وطفلته تمسك يده وتقول: «بابا، اهدأ، أنا هنا».
تعلمت معها أن الرجولة ليست في الصوت العالي، إنما في القدرة على الاحتواء، وأن القوة ليست في الغضب، لكن في السيطرة عليه، وأن الحنان لا ينتقص من الرجل شيئا، بل يضيف إليه إنسانا.
لم تجعلني فقط أبا أفضل، لكنها جعلتني رجلا آخر، أراجع نفسي قبل أن أنفعل، أفكر في كلماتي قبل أن تخرج، وأخاف أن أجرح قلبا صغيرا لا يعرف من الدنيا إلا وجهي.
كنت أعتقد أن البنات ضعف، فاكتشفت أنهن القوة الهادئة القادرة على ترويض أقسى الزوايا في الروح، ولم تعد خلفة الأولاد هي الفكرة المسيطرة، وصارت هي سندا للقلب، والروح، والنفس.
حين سألتني ابنتي: «يعني إيه حب يا بابا؟»، لم يكن سؤالها أكبر من عمرها فقط، بل كان أكبر مني، توقفت أمامه كثيرا، لأنني شعرت فجأة أن كل الإجابات التي أعرفها لا تكفي.
فعلت الشيء الوحيد الصادق: ضممتها، قبلتها، وصمت، وهي، بحكمة الأطفال، قبلت الصمت كإجابة، والغريب أنها لم تطلب أكثر، كأن الجسد أحيانا أصدق من اللغة.
لكن السؤال أعادني إلى الوراء، يوم قال الطبيب إن مولودي القادم بنت، لم أغضب، ولم أفرح؛ مر شيء عابر على وجهي، يشبه خيبة صغيرة لم أسمح لها أن تكبر.
وعندما ولدت في مثل هذه الأيام، انهارت كل هذه الأفكار أمام جسد صغير، دافئ، هش، ومطمئن على نحو أربكني، أذكر اللحظة لا بوصفها حدثا، إنما تحولا، كأن الزمن توقف قليلا ليعدل رجل من الداخل.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ شيء داخلي يتغير، صرت ألاحظ التفاصيل، أسمع ما لا يقال، وأشعر بالحزن قبل أن يعلن، كانت تعرف متى أنكسر، تربت على كتفي وتقول: «ما تزعلش».
لم تكن تعرف السبب، لكنها عرفت الشعور، وهنا، ولأول مرة، فهمت أن الحب ليس مشاركة الفرح، لكن القدرة على ملاحظة الحزن قبل أن يعلن عن نفسه.
ومن خلالها، بدأت أفهم النساء، لا كما صورهن المجتمع، لغزا، أو عبئا، أو هشاشة، بل كما هن، قادرات على الاحتواء، حساسات لأنهن يرين أكثر، وقويات لأنهن يتحملن بصمت.
فهمت أن المرأة لا تطلب حلولا، إنما حضورا، ولا تبحث عن رجل يصلحها، بل عن إنسان لا يكسرها.
لهذا، عندما أبحث عن معنى الحب، لا أفتش في الكتب، ولا في الأغنيات، ولا في التجارب القديمة، أنظر إليها فقط، وأقول في سري: «الحب هو أن تصبح أسمى سبب نجاتك من نفسك».
دخلت الأبوة كما يدخل الذكور الأشياء الكبرى، بثقة أرفعها مثل درع، وخوف أخبئه كعيب، وأفكار موروثة أدافع عنها أكثر مما أفهمها.

كأغلب الرجال، كنت أؤمن بفكرة أن الولد سند، وأتصور أن الرجولة تورث بالاسم، والقوة، والخشونة، والصوت العالي.
كنت أظن أن العصبية جزء أصيل من الأبوة، وأن الحزم لا يكتمل إلا بالقسوة، وأن الولد هو الامتداد الطبيعي، والنسخة الأقرب، والمرآة.
حتى جاءت طفلتي أسمى، لتعيد ترتيب الصورة، لم تغيرني بكلمة أو عتاب، لكنها فعلت ذلك بنظرة، لمحة خوف في عينيها عندما أرفع صوتي، دهشة عندما أغضب بلا سبب، وصمت تقول به أكثر مما تقوله الكلمات.
كنت عصبيا، أغضب سريعا، أضيق بالعالم، وأحمل همومي كأنها معركة يجب أن أربحها وحدي، لكن كيف لرجل أن يصرخ، وطفلته تمسك يده وتقول: «بابا، اهدأ، أنا هنا».
تعلمت معها أن الرجولة ليست في الصوت العالي، إنما في القدرة على الاحتواء، وأن القوة ليست في الغضب، لكن في السيطرة عليه، وأن الحنان لا ينتقص من الرجل شيئا، بل يضيف إليه إنسانا.
لم تجعلني فقط أبا أفضل، لكنها جعلتني رجلا آخر، أراجع نفسي قبل أن أنفعل، أفكر في كلماتي قبل أن تخرج، وأخاف أن أجرح قلبا صغيرا لا يعرف من الدنيا إلا وجهي.
كنت أعتقد أن البنات ضعف، فاكتشفت أنهن القوة الهادئة القادرة على ترويض أقسى الزوايا في الروح، ولم تعد خلفة الأولاد هي الفكرة المسيطرة، وصارت هي سندا للقلب، والروح، والنفس.
حين سألتني ابنتي: «يعني إيه حب يا بابا؟»، لم يكن سؤالها أكبر من عمرها فقط، بل كان أكبر مني، توقفت أمامه كثيرا، لأنني شعرت فجأة أن كل الإجابات التي أعرفها لا تكفي.
فعلت الشيء الوحيد الصادق: ضممتها، قبلتها، وصمت، وهي، بحكمة الأطفال، قبلت الصمت كإجابة، والغريب أنها لم تطلب أكثر، كأن الجسد أحيانا أصدق من اللغة.
لكن السؤال أعادني إلى الوراء، يوم قال الطبيب إن مولودي القادم بنت، لم أغضب، ولم أفرح؛ مر شيء عابر على وجهي، يشبه خيبة صغيرة لم أسمح لها أن تكبر.
وعندما ولدت في مثل هذه الأيام، انهارت كل هذه الأفكار أمام جسد صغير، دافئ، هش، ومطمئن على نحو أربكني، أذكر اللحظة لا بوصفها حدثا، إنما تحولا، كأن الزمن توقف قليلا ليعدل رجل من الداخل.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ شيء داخلي يتغير، صرت ألاحظ التفاصيل، أسمع ما لا يقال، وأشعر بالحزن قبل أن يعلن، كانت تعرف متى أنكسر، تربت على كتفي وتقول: «ما تزعلش».
لم تكن تعرف السبب، لكنها عرفت الشعور، وهنا، ولأول مرة، فهمت أن الحب ليس مشاركة الفرح، لكن القدرة على ملاحظة الحزن قبل أن يعلن عن نفسه.
ومن خلالها، بدأت أفهم النساء، لا كما صورهن المجتمع، لغزا، أو عبئا، أو هشاشة، بل كما هن، قادرات على الاحتواء، حساسات لأنهن يرين أكثر، وقويات لأنهن يتحملن بصمت.
فهمت أن المرأة لا تطلب حلولا، إنما حضورا، ولا تبحث عن رجل يصلحها، بل عن إنسان لا يكسرها.
لهذا، عندما أبحث عن معنى الحب، لا أفتش في الكتب، ولا في الأغنيات، ولا في التجارب القديمة، أنظر إليها فقط، وأقول في سري: «الحب هو أن تصبح أسمى سبب نجاتك من نفسك».
تعليقات