فاروق الدسوقي يكتب: موهبة لا يعرفها أحد
نعم، حرفيا، يقرأ الشفاه كما يقرأ غيره الكتب، وكأن الكلمات تطبع في الهواء، فيراها قبل أن يسمعها أحد، لم أكن أعرف هذا السر حتى كشفتني ضحكة صغيرة.
كان يوما عاديا من أيام الجامعة، والجو حار ومزدحم في ساحة الكلية، تقدمت نحوي زميلة غاضبة، تشتكي من صديقي بكلمات سريعة وانفعالية.
كنت أحاول تهدئتها بابتسامة صغيرة، بريئة من النية، فقط لأخفف التوتر، ما لم أعلمه وقتها، أن صديقي كان هناك، على بعد أمتار، لم يسمع شيئا، لكنه رأى كل شيء.
مرت الساعات، وفوجئت بأنه يتجنبني، لا يرد على مكالماتي، ولا يكلمني، بل يعبر بجانبي كأنني شخص غريب، وحين واجهته، كان سؤاله مباشرا، ومؤلما: ضحكت ليه لما فلانة شتمتني؟
ارتبكت، حاولت الإنكار، ألقيت اللوم على الزميلة، وقلت إنها تحاول الوقيعة بيننا، لكنه ابتسم ابتسامة هادئة، وقال: أنت غبي أوي، محدش قال لي حاجة، أنا شفتك، وخليني أقولك نصيحة: ما تستهونش بذكاء حد، مهما كانت المسافة بينكم، في ناس بتشوف وتفهم اللي عمرك ما تتخيله.
في تلك اللحظة، أدركت أن "هوايته" في قراءة الشفاه لم تكن مجرد قدرة غريبة، بل موهبة حقيقية، تتطلب دقة، وتركيز، وإحساس عالي، تماما كأي فن راق.
صديقي لم يكن يحمل لقب "فنان"، لكنه كان يحمل روح فنان حقيقي، كان يرى ما لا يراه غيره، ويلتقط المعنى من خلف الكلمات، ومن خلال ضحكتي العفوية، قرأ مشهدا كاملً ا، رأى انفعالات، وشعر بإشارات، وفهم أشياء لم أنتبه أنا لها.
تجاوزنا الموقف فيما بعد، وتحدثنا بصدق، وصارت صداقتنا أقوى، لكنه ترك في داخلي درسا لا ينسى: أن تكون فنانا لا يعني أن ترسم أو تعزف، بل أن ترى بعمق، أن تفهم المشاعر، وأن تلتقط التفاصيل التي لا يلاحظها الآخرون.
منذ ذلك الحين، صرت أكثر وعيا بما أقوله، وما لا أقوله، بنظراتي، بابتسامتي، وحتى بصمتي، فقد تعلمت من فنان لم يصعد على مسرح، لكنه لمس قلبي بموهبته، وعلّمني كيف أن أبسط تعبير قد يفسر بشكل مختلف تماما حين يقع في عين من يرى بصدق.
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أحمل في قلبي حكمة صارت أقرب إلى تعويذة: احذر أن تستهين بذكاء أحد، واحذر أكثر أن تستهين بمشاعره، فهناك عيون تلتقط ما لا يلتقطه السمع، وقلوب تسمع ما لم تقله الشفاه.
تعليقات