فاروق الدسوقي يكتب: من قتل الشيف غوستو؟
يتسلل فيلم الكارتون الشهير الفأر الطباخ إلى قلبي، في هيئة حكاية خفيفة، كأنها استراحة طفولية من ثقل العالم، ضحكة سريعة، ألوان دافئة، ومطبخ يلمع كأن الحياة لا تزال بخير، ثم، كما تفعل الأعمال الكبيرة، يجعلني أبتسم أولا، قبل أن يضع يده بهدوء على الجرح.
أبدأ المشاهدة، وأنا أظن أنني أمام فيلم
للأطفال، نار هادئة، أواني تفيض، وطاه ممتلئ الجسد يضحك كأنه يوزع الطمأنينة مع
الطعام، لكن ما إن أنصت قليلا، حتى أدرك أنه لا يتحدث عن الطبخ أصلا، لكن عن
الإنسان عندما يسقط من علو موهبته، عن تلك اللحظة التي لا ننتبه فيها إلى أن
السقوط بدأ، إلا بعد فوات الأوان.
لم يكن الشيف أوغست غوستو أعظم طاه لأن طعامه
مثالي، لكن لأنه يؤمن بأن العبقرية لا تسأل عن الاسم، ولا عن الأصل، ولا عن الشكل،
وأن أي شخص يستطيع أن يطبخ.
يصعد غوستو بثقة رجل لا يصرخ ليثبت نفسه، إلى
أن يكتب الناقد أنطون إيغو جملة، لم تكن شتيمة، أو فضيحة، كانت نقدا باردا، نظيف
الصياغة، قاتلا في أثره.
ومن هنا يبدأ الموت الحقيقي، لم يمت غوستو لحظة
القراءة، بل مات حين صدق، وسمح للكلمة أن تعيد تعريفه، ورضي أن تختصر حياته كلها
في رأي شخص واحد، لم يهلك بسكين أو حريق، رحل بعد النقد بفترة، عندما خسر نجمة
مطعمه، ومعها إيمانه بنفسه، يقولها الفيلم صراحة: مات من الحزن.
وهنا يصبح السؤال ضروريا: من قتل غوستو؟
الناقد؟
أم الكلمة؟
أم لأنه سلم مفاتيح روحه للآخرين؟
رغم موت غوستو، يولد فصل جديد، غير منطقي، لكنه
شديد الإنسانية، فأر صغير اسمه ريمي، مخلوق يهرب منه الجميع، لكنه يقترب من النار
بشغف طفل يرى العالم لأول مرة.
ريمي لا يعمل في المطبخ علنا، إنما في الظل،
يختبئ تحت قبعة لينجويني، يقود يده من الأعلى، لأن العطية أحيانا لا يسمح لها أن
تظهر بوجهها الحقيقي.
والأغرب أن طيف غوستو يعود إليه، ليس روحا
حقيقية، إنما صوتا داخليا، كأن المنحة حين تموت تبحث عن جسد آخر تستعير منه فرصة
جديدة.
أما لينجويني، الشاب المرتبك الذي يعمل في
المطبخ صدفة، بلا ملكة واضحة، لكنه يملك شيئا نادرا، الاستعداد أن يصدق، كان الجسد
الذي تحرك من خلاله إبداع فأر ضعيف، والواجهة التي سمحت له أن يعيش دون أن يقتل.
طيف غوستو أو الوهم، كما يسميه الفيلم، يقود
ريمي إلى مطبخ غوستو نفسه، ليصنع الطبق الذي يعيد أنطون إيغو إلى طفولته، ويجعل
الرجل الذي هدم غوستو يكتب أجمل اعتذار في تاريخ النقد.
وحين انتهي من المتابعة، اكتشف أن السؤال لم
يكن عن غوستو وحده، إنما عن الذين ماتوا مثل غوستو، ليس لأنهم أخفقوا، لكن لأن
أحدهم قال لهم إنهم فشلوا.
كم موهبة قتلت عند أول تعليق ساخر مكتوب خلسة
من خلف شاشة؟
كم شابا دفن طموحه لأنه خجل من ضحكة صدرت في
غير وقتها؟
كم امرأة تخلت عن شغفها لأن أحدهم قال لها: هذا
ليس مجالك؟
ورغم ذلك يترك لنا العمل، الدروس المستفادة منه
في وصية غير مكتوبة لا يمكن تجاهلها تقول إن البراعة لا تموت، بل تنتقل، قد تختبئ،
تتأخر، تغير شكلها، لكنها تعود دائما، حتى لو في جسد لا نتوقعه.

تعليقات