فاروق الدسوقي يكتب: ابن محمد صلاح.. ماذا حدث لنا؟
يتوقف عقلي كثيرًا أمام ما يفعله بعضنا على مواقع التواصل الاجتماعي، أقرأ تعليقًا فأعود إليه مرة ثانية، لا لأنني لم أفهم ما كتب، ولكن لأنني لا أفهم كيف استطاع صاحبه أن يكتبه.
يؤلمني قلبي أحيانًا، وأنا أرى كلمة قاسية تٌلقى على إنسان لا نعرفه، ثم يمضي صاحبها إلى يومه كأن شيئا لم يحدث، وأظل أفكر، متى أصبحنا قادرين على الدخول إلى حياة الآخرين بهذه السهولة، والجلوس في أكثر زواياها خصوصية، ثم إصدار الأحكام عليها؟ حتى جاءني السؤال هذه المرة في صورة طفلين، هما «ليل محمد صلاح»، و«إيلا هشام جمال».
في اللحظة التي فتح فيها «ليل» عينيه للمرة الأولى، كان هناك آلاف العيون تنتظره، لم يكن يعرف العالم بعد، لم يعرف الشمس، ولا ضوضاء الشوارع، ولا رائحة البيوت، ولا معنى أن يكون للإنسان اسم.
كان جسده الصغير ملفوفًا في قطعة قماش، ينام مطمئنًا في حضن أمه، بينما أبوه ينظر إليه كما لو أنه اكتشف فجأة أن قلبه أصبح خارج صدره، لم يكن يعرف أن أباه هو اللاعب العالمي محمد صلاح، الرجل الذي يعرفه الملايين، والذي هتفت الجماهير باسمه في الملاعب، وحفظت أهدافه، وفرحت بانتصاراته، وشعرت لسنوات أنه واحد من أبنائها.
لم يكن «ليل» يعرف شيئًا من ذلك، ولا يعرف أن اسمه سيصل إلى ملايين الناس قبل أن يصل هو إلى سريره، ولا يعرف أن هناك من سيضحك عندما يسمعه، ومن سيكتب تعليقًا ساخرًا، ومن سيقرر، في ثوانٍ قليلة، أن الاسم الذي اختاره أبوه وأمه لا يليق به.
إنه مجرد طفل لم يتعلم الكلام بعد، لكن العالم كان قد بدأ يتنمر عليه، وهنا لا أتوقف أمام اسم «ليل»، لكني أتوقف أمام السؤال الذي أخافني أكثر: لماذا شعرنا أصلا أن لنا حقًا في تقييم الاسم؟
أحببنا محمد صلاح لأنه ليس رجلًا عاديًا في وجدان المصريين، يسجل هدفًا، فتهتز الهواتف قبل المدرجات، وحين ينجح، يقول المصريون: «ده واحد مننا»، وعندما يخسر، يشعر كثيرون أن الخسارة مستهم شخصيًا، حتى أصبح الرجل قريبًا منا جميعًا، لكن ربما هنا تكمن المفارقة، لأننا نسينا أنه ما زال إنسانًا، صرنا نعرف عنه الكثير، نرى صوره، نعرف زوجته وأبناءه، نتابع أخباره، نناقش تصريحاته، نراقب ملابسه، نحتفل بنجاحه، ثم، من فرط القرب الذي صنعته الشاشة، حدث شيء غريب، بدأنا نشعر أن لنا حقًا في تفاصيل لم يمنحنا أحد حق الدخول إليها، حتى اسم طفل لم يولد إلا منذ ساعات.
قبلها قليلًا، كانت «إيلا»، طفلة هشام جمال وليلى زاهر، قد دخلت العالم، اختار الأب والأم الاسم، وكان ينبغي أن تنتهي الحكاية عند هذه الجملة: «مبروك»، لكن الحكاية لم تنتهِ، دخل الاسم أيضًا إلى ساحة التعليقات، بدأت الآراء، ثم السخرية، وكأن الطفلة قدمت اسمها إلى الجمهور في مسابقة، وانتظرت النتيجة.
وهنا بدأت أرى شيئًا أكبر من التنمر، رأيت تغيرًا في علاقتنا بالشهرة، قديمًا، كان المشهور بعيدًا، نراه في التلفزيون، في السينما، في الملعب، ثم تنتهي المسافة عند شاشة التلفزيون، أما الآن، فقد حملناه معنا إلى غرف نومنا، صار في هواتفنا، وعلى مائدة إفطارنا، وفي طريقنا إلى العمل، أصبحنا نعرف ماذا أكل، وأين سافر، وماذا ارتدى، ومتى تزوج، ومتى أنجب.
والشاشة، بخداعها الجميل، جعلتنا نشعر أن المعرفة قرابة، لكنها ليست كذلك، أن تعرف عن إنسان أشياء كثيرة، لا يعني أنك تعرفه، وأن تحبه، لا يعني أن حياته أصبحت ملكًا لك.
أتذكر المصري القديم، ذلك الذي كان يطرق باب جاره حين يعرف أن زوجته وضعت مولودًا، يدخل بلا موعد، يحمل طبقًا أو علبة حلوى، يقف عند الباب ويقول: «ألف مبروك»، ثم يسأل: «ولد ولا بنت؟»، فإذا عرف، ابتسم، وإذا عرف الاسم، قال: «اسم جميل»، حتى لو لم يعجبه، ليس لأنه كاذب، ولكن لأنه كان يعرف أن هناك لحظات لا تحتاج إلى صراحة كاملة، بل تحتاج إلى رحمة.
كان يعرف أن رأيه ليس أهم شيء في العالم، أما الآن، فقد أعطتنا السوشيال ميديا شيئًا خطيرًا، أصبح بإمكان شخص لا يعرف محمد صلاح، ولا هشام جمال، ولا ليلى زاهر، ولا يعرف شيئًا عن لحظة اختيار الاسم، أن يكتب جملة عن طفلهم، ثم يضحك، ثم ينتقل إلى منشور آخر، فبالنسبة إليه انتهى الأمر، لكن بالنسبة إلى الإنسان الذي تلقى الكلمة، قد لا ينتهي.
المشكلة ليست أن اسم «ليل» يعجبك أو لا، ولا أن «إيلا» يعجبك أو لا، من حقك تمامًا ألا تحبهما، فالأذواق لا تناقش، لكن هناك فرقًا هائلًا بين «مش ذوقي» وبين «إيه الاسم الغريب ده؟»، فالأولى اختلاف، والثانية سخرية، والفرق بينهما هو الفرق بين إنسان يحتفظ بحريته، وإنسان يستخدم حريته لإيذاء غيره.
غدًا سيكبر «ليل»، وستكبر «إيلا»، سيذهبان إلى المدرسة، ويحملان حقائب صغيرة أكبر قليلًا من أكتافهما، سيكتبان اسميهما على الدفاتر، يغضبان، ويضحكان، ويحلمان، ويمضيان في الحياة، وربما يأتي يوم يعرفان فيه أن ملايين الناس عرفوا اسميهما قبل أن يعرفا هما معنى الشهرة، لكنني أتمنى ألا يعرفا أبدًا مقدار السخرية التي قيلت عنهما، أتمنى أن يبقى العالم بالنسبة إليهما واسعًا وجميلًا كما ينبغي لطفلين أن يرياه.
أما نحن، فربما نحتاج إلى أن نتعلم من جديد شيئًا بسيطًا جدًا، أن الشهرة لا تلغي الإنسانية، وأن الحب لا يمنحنا حق التملك، وأن الاختلاف لا يحتاج إلى إهانة، وأن ليس كل ما لا يعجبنا يستحق تعليقًا، فأحيانا تكون أكثر الكلمات نضجًا هي الكلمات التي نستطيع أن نقولها ونختار ألا نقولها.
تعليقات