فاروق الدسوقي يكتب: لماذا نوقظ الموتى؟
في الثالثة فجرًا، كان هاتفي هو الشيء الوحيد المستيقظ معي في الغرفة، وفجأة ظهر وجه طفلة على الشاشة، ابتسامة صغيرة، عينان واسعتان، وشعر مرتب بعناية، مجرد صورة عادية لطفلة كانت هنا بالأمس، ثم لم تعد هنا اليوم، وتحت الصورة كتب أبوها: «ممكن تخلوها تتكلم وتقول وحشتني يا بابا؟»
قرأت الجملة مرة، ثم ثانية، وأغلقت الهاتف، لم يخيفني أن الصورة يمكن أن تتحرك، لكن أخافني أننا أصبحنا نريد من الموتى أن يتكلموا، وبعد دقائق، تخيلت الأب وهو ينتظر، ثم تخيلت ما يمكن أن يحدث، تتحرك الصورة، ترمش الطفلة، تبتسم، ثم يخرج صوت يشبه صوتها: «وحشتني يا بابا».
قد يبكي الأب، قد يضم الهاتف إلى صدره، وقد يصدق قلبه، ولو لثوان، أن ابنته عادت، ثم ينتهي التسجيل، تتوقف الصورة، يصمت الهاتف، وتعود الحقيقة، وهنا يبدأ خوفي الحقيقي، ليس من التكنولوجيا التي تستطيع تحريك صورة ميت، لكن من قدرتها على أن تمنح الحزن وهمًا يشبه الحياة.
منذ أن عرف الإنسان الموت، اخترع أشياء كثيرة ليحتفظ بمن رحلوا، صورة، رسالة، ملابس، رائحة عطر، تسجيلًا لصوت، لكن الصورة كانت تقول عن المتوفى: «كان هنا»، أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع أن يجعلها تقول: «أنا هنا»، وهذه مسافة شاسعة.
المشكلة ليست في أن العينين تحركتا، ولا في أن الشفتين ابتسمتا، لكنها في أننا نمنح الحزن شيئًا يشبه الوهم الحي، العقل يعرف أنها محاكاة، لكن القلب أحيانًا لا يحتاج إلا إلى صوت واحد كي يصدق.
لا ألوم من يفعل ذلك، من فقد طفلًا يعرف أن الإنسان قد يتعلق بظل، ومن فقد زوجته قد يقضي ساعات أمام صورة قديمة، لا لأنه يجهل أنها ماتت، لكن لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع هذا الفراغ الذي تركته، لذلك علينا أن نكون رحماء مع أصحاب الفقد، لكن الرحمة لا تعني دائمًا أن نعطي الحزين ما يطلبه، أحيانًا تكون الرحمة أن نقول له: «أعرف أنك تشتاق، لكن لا تفتح الجرح كل ليلة».
وهنا يأتي السؤال الديني: هل تحريك صورة الميت حرام؟
لا يصح إطلاق حكم واحد على كل الصور والاستخدامات، فالمسألة تختلف باختلاف القصد والمحتوى وطريقة الاستخدام، لكن هناك فرقًا واضحًا بين معالجة صورة، وبين اختلاق كلام ونسبته إلى ميت، أو تقديم المحاكاة على أنها حقيقة، أو استخدامها بطريقة تخدع الناس أو تمس حرمة المتوفى، وهذه مسائل تستحق سؤال أهل العلم الموثوقين في صورتها التفصيلية، لا أخذ فتوى من تعليق عابر، أما الحقيقة التي لا تحتاج إلى فتوى ولا خوارزمية فهي أن الميت لا يعود لأن صورته تحركت.
لذلك، ربما علينا أن نتعلم شيئًا جديدًا في زمن الذكاء الاصطناعي، وهو ليس كل ما نستطيع صنعه ينبغي أن نصنعه، يمكننا أن نجعل الموتى يبتسمون، نستطيع تقليد أصواتهم، نستطيع أن نجعل شفاههم تنطق بجملة لم يقولوها، لكننا لا نستطيع أن نستعيد وجودهم، وهنا يكمن الفرق بين الذكرى والوهم، فالذكرى تقول لك: «لقد أحببته»، أما الوهم فيهمس: «لقد عاد»، والثانية قد تكون أجمل لثوان، لكنها قد تكون أقسى عندما تنتهي.
لذلك، حين تشتاقون إلى موتاكم، لا تجعلوا الذكاء الاصطناعي يعيدهم، افتحوا صورهم، اقرأوا رسائلهم، تذكروا ضحكاتهم، احكوا عنهم لأطفالكم، ادعوا لهم، واتركوا صورهم ساكنة كما كانت، فربما أجمل ما يمكن أن نفعله لمن رحلوا، ألا نزوَرّ عودتهم، أن نسمح لهم بأن يبقوا موتى، ونحن الأحياء، وأن نحملهم في المكان الوحيد الذي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول إليه: قلوبنا.
تعليقات