فاروق الدسوقي يكتب: مواجهة بين طابقين
الساعة السابعة صباحا.
البرد ينهش أطرافي كذئب جائع، عدت إلى البيت منهكا، ارتديت معطفا قديما، مهترئا، لكنه كان الوحيد الذي يقنعني أن الدفء قد يعود، ولو كذبة صغيرة.
التاسعة صباحا.
وقفت أمام مبنى حكومي عجوز في الجيزة، واجهته المتصدعة، ممراته الضيقة، ومصعده الملعون الذي لا يصلح ولا يموت، الموظفون يتندرون بحكايات عن عفريت يسكنه، يوقفه متى شاء ويطلقه متى مل.
ركبنا، خمسة أرواح حشرت في علبة معدنية، ارتفعنا قليلا، ثم توقف المصعد بين الطابقين الخامس والسادس، الظلام، الهواء ينكمش، الصمت يزداد ثقلا حتى صار أثقل من الحديد.
في تلك اللحظة، لم يعد أحد منا يواجه جدران المصعد فقط، كل واحد واجه نفسه، كأننا جلسنا فجأة في قاعة محاكمة غير معلنة، بلا قاض، بلا شهود، بلا دفاع، فقط نحن وذنوبنا.
رجل خمسيني، بملامح أرهقها التدخين، قال بصوت متقطع: «لم أزر أمي منذ شهور، أقسم أنني كنت أجد دائما أعذارا واهية»،
أطرق رأسه، يلهث كمن يركض في داخله.
امرأة شابة، كانت ترتجف وهي تهمس: «صرخت في وجه ابني صباحا لأنه تأخر عن المدرسة، لم أحتضنه قبل أن يخرج»، كانت تضع يدها على صدرها، كأنها تحاول استعادة ذلك الحضن المفقود.
رجل بدين، موظف عادي، بدأ يضحك ضحكة عصبية ثم قال: «سرقت وقتا من عملي كثيرا، أوقع الحضور وأهرب، واليوم أقف محاصرا هنا! أي سخرية هذه؟»، انطفأت ضحكته سريعا، وتحول وجهه إلى مرآة للخوف.
صوت رابع خرج من الزاوية، شيخ ستيني يرتدي جلبابا رثا، تمتم: «ظللت أعظ الناس بالصبر والرضا، وأنا أول من تذمر في وجه أبنائي حين قصروا في حقي»، ثم أغلق عينيه كأنه يخشى مواجهة المزيد.
أنا، في زاوية المصعد، أمسكت هاتفي، رقمها يطل من الشاشة كأنه يعرف موعده، لكني لم أتصل.
بدلا من ذلك، وجدت نفسي أفتح صفحات العمر في داخلي، خيبات صغيرة، وعود مكسورة، كلمات مؤجلة، صمت طويل لم أجرؤ على كسره، قلت في نفسي: «لو خرجت من هنا حيا، لن أؤجل شيئا بعد اليوم».
الهواء يزداد ثقلا، أصواتنا تتحول إلى همسات اعتراف، العرق يسيل من جباهنا كأنه يكتب على وجوهنا ما نخفيه، لم يكن موتا مؤكدا، لكنه كان قريبا بما يكفي ليجعلنا نكشف أنفسنا بلا أقنعة.
ثم جاءت الأصوات من الخارج، طرقات على الباب الحديدي، صرخات عمال، محاولات لفتح هذا القبر المعدني، أضاءت الأنوار فجأة، تحرك المصعد، ارتفع، الباب انفتح على الطابق السادس، خرجنا جميعا كما لو خرجنا من تحت التراب.
لكن الحقيقة؟
لم يخرج أحد كما دخل.
كل واحد ترك خلفه ذنوبا معلقة، ووعودا جديدة، الموت كان مؤجلا، لكنه مر بنا جميعا، جلس معنا بين الطابقين، جعلنا نحاكم أنفسنا في لحظة لا مهرب منها.
ربما في المرة القادمة لن يفتح الباب.
لكن حتى ذلك الحين، سنظل نحيا والذاكرة تهمس: بين الطابقين، هناك دائما محكمة لا ينجو منها أحد.
تعليقات