فاروق الدسوقي يكتب: قل آسف قبل أن تغادر
نحن لا نعرف قيمة الكلمة إلا حين يضيق الوقت عن قولها.
أنا آسف.. جملة قصيرة، لكنها أثقل ما يحمله القلب حين يفوت أوانها.
في حياتنا، نترك وراءنا وجوها لم نرها جيدا، وأيد كانت ممدودة إلينا فأعرضنا عنها، وقلوبا أرهقناها دون أن ندري، لم يكن ذلك دائما عن قصد، لكن النتيجة واحدة: جرح صامت لم يلتئم.
كثيرون غادروا حياتنا، بعضهم بالموت، وبعضهم بالمسافة، دون أن يسمعوا اعتذارا كان من الممكن أن يغير كل شيء.
لم نقله لأننا كابرنا، أو ظننا أن الجرح صغير، أو أقنعنا أنفسنا أن الصمت بديل عن العناق، وأن الوقت كفيل بالترميم، لكن الوقت لا يرمم شيئا، بل يزيد الشقوق عمقا.
في ثقافتنا، تربينا على أن الاعتذار ضعف، وأن التراجع عن الخطأ يجردنا من الهيبة.
من علمنا ذلك؟ من جعل الكبرياء أثمن من إنسانيتنا؟
الاعتذار ليس انكسارا، بل دلالة على أن في داخلنا قلبا لا يزال نابضا بالرحمة.
الذين غادروا دون أن يسمعوا العذر، غادر بعضهم الدنيا، وغادر آخرون قلوبنا، تاركين وراءهم أسئلة بلا إجابة:
هل كان وجعي غير مرئي؟
هل كنت أستحق هذا التجاهل؟
لماذا لم يعتذر؟
أحيانا لا يكون من أساء إلينا شريرا، لكنه كان غافلا، أو باردا بما يكفي ليمضي دون أن يلتفت إلى أثره فينا.
لكن الغياب لا يبرئ، والصمت لا يمحو الأثر، بل يضاعفه.
قصص لم تغلق صفحاتها، فاطمة، التي رحلت قبل أن تسمع كلمة من ابنها بعد شجار عابر.
قال لها: الجمعة هاجي أزورك، فجاء الجمعة حاملا نعشها.
سامي وسعيد، صديقان منذ الطفولة، افترقا بسبب خلاف تافه على المال.
سامي كان المخطئ، وانتظر أن تصفي النفوس، مرت سنتان، وغادر سعيد البلاد، وبقي سامي يحدق في الصور القديمة هامسا: كان المفروض أقول آسف، قبل ما يفوت الوقت.
هذه الحكايات ليست نادرة، نحن نراها في كل بيت، وكل شارع، وكل ذاكرة لم تُغلق.
لا تنتظر اللحظة المثالية، فالاعتذار لا يحتاج مناسبة، ولا توقيتا ذهبيا، يكفيه صدق اللحظة، وشجاعة أن ترى نفسك بعين الآخر.
يمكن أن يكون الاعتذار كلمة في رسالة، أو نظرة صادقة، أو ربتة على الكتف، أو حتى دعاء في غياب من تحب، لكن لا تؤجله، فبعض الأرواح إذا انتظرت طويلا، لن تعود أبدا.
كنتم تستحقون كلمة لم نقلها، ودفئا لم نمنحه، ونظرة فهم بدل التجاهل، إن خذلناكم، فليس لأنكم لا تستحقون، بل لأننا لم نعرف كيف نحب بوضوح.
سامحونا، إن استطعتم، أما نحن، فسنبقى نحمل ثقل تلك الكلمة المؤجلة.
الذين يعتذرون لا يخسرون شيئًا سوى غرورهم.
أما الذين لا يعتذرون، فيخسرون كل شيء: الحب، والذاكرة، وشيئا من إنسانيتهم.
فإن مر الآن في بالك اسم شخص لم يسمع منك آسف، اترك ما في يدك، وقلها قبل أن يغادر، أو قبل أن تغادر أنت.
تعليقات