فاروق الدسوقي يكتب: أوفريندا «الدسوقي».. وعبقرية «الزيات»
أراني أحمل في قلبي همًّا ينهش الحزنُ منه.
حين طرق الفَجْع بابي دون استئذان، دخل كعاصفة، خلخل جدراني، وتركني في فراغٍ حالك، وأرضٍ غامضة، ومتاهةٍ بلا خرائط.
يوم رحل شقيقي الأكبر، الكاتب الصحفي محمد الدسوقي، هزّ انصرافه أعماقي، وطرحني في أرضٍ شاسعة بلا معالم.
![]() |
| الكاتب الصحفي فاروق الدسوقي |
تحطّم شيءٌ عميقٌ في داخلي، أمرٌ لا يمكن ترميمه بالكلمات ولا بالمواساة.
لم يكن «الدسوقي» مجردَ أخ، بل أبي الثاني، وسندي، ومرآتي التي أرى فيها نفسي وأختبر ملامحي.
معه كان البيت أكثر دفئًا، والعالم أوسع وأكثر رحابة، والحياة ـ مهما قست ـ أهون وأحن، طالما هو هناك.
الأسى على فقد الأخ الأكبر ليس مجرد وجع، إنه أشبه بانهيار شجرةٍ عتيقة كانت تظلّك طول العمر، فإذا بك عاري الرأس أمام شمسٍ قاسية وريحٍ لا ترحم.
تستدعي الذاكرة وجهه وصوته وضحكته وصبره، ثم تدرك فجأةً أنه لم يعد هنا، وأن رحيله ترك فراغًا يشبه مسرحًا فارغًا: بلا جمهور، بلا موسيقى، بلا تصفيق.
كان كتفي الذي أَحتَمي به، وحين غادر انكسر ظهري، وانطفأ شيء من طفولتي، وصرت أمشي في صحراء معتمة لا دليل فيها إلا ذكراه.
بالأمس، أطفأت الأنوار في غرفتي، وجلست وحدي أسترجع شهادات وكلمات المئات من تلاميذه عنه في حياته وبعد وفاته، ولا أدري كيف قفزت إلى ذهني فجأة صورة «الأوفريندا» في مدن المكسيك.
هناك، حين يحل نوفمبر، تمتلئ الشوارع بالزهور البرتقالية التي تُسمى «زهور الموتى»، وتتوهج بآلاف الشموع المضيئة، وينصب الناس مذابح صغيرة في البيوت والساحات، يضعون فوقها صور أحبّتهم الراحلين، وأطعمتهم المفضلة، وأشياء كانوا يحبونها.
يركض الأطفال بوجوهٍ ملوّنة كجماجم مبتسمة، والهواء معطر بمزيج من البخور ورائحة الخبز الطازج.
هذا المشهد ليس جنائزيًا كما قد يظن البعض، بل احتفال بالحياة التي لا تنطفئ؛ فالمكسيكيون لا يرون «يوم الموتى» الذي يحتفلون به في الأول والثاني من نوفمبر كل عام كوداعٍ حزين، وإنما موعدًا سنويًا لعودة الأحبة، كأنهم يقولون للموت: «لن نتركك تنتصر، سنستعيد من أخذتَهم ليلة واحدة على الأقل».
وعندما جلست أتأمل صورة «الأوفريندا» في ذهني، فهمت أن «الدسوقي» ـ دون أن يقصد أو يعرف ـ شيّد مذبحه الرمزي الخاص، وبناه بنفسه، حجرًا فوق حجر، خلال سنوات عمره، في مقالاته ودروسه وتدريباته، وفي كل زميل جلس إلى جواره يتعلم منه أسرار المهنة وصدق الحرفة.
علّم الراحل الكثيرين ـ وأنا واحد منهم ـ أن الصحافة ليست مجرد حبر على ورق، بل مرآة للضمير.
تلاميذه هم أثره الحي؛ يمشون في الحياة حاملين صدى كلماته، يضيئون مسارات جديدة من النور الذي أناره لهم.
لم يغادر أخي فارغ اليدين، فقد ترك جدارًا ممتلئًا بالصور، في بشرٍ من لحمٍ ودم، تاركًا ظلاله في نفوس طلابه لسنوات طويلة.
وطالما ظلّت صورته حاضرة في كلامنا، واستمرت نصائحه تتردد على الألسنة، فإنه لم يغب؛ سيبقى حاضرًا بالحب الذي زرعه، والسيرة التي تركها، والقصص الصغيرة التي نحكيها عنه.
وهنا أدركت أن «الأوفريندا» لا تخص الموت وحده، بل يمكن أن تُبنى في حياة صاحبها.
قبل أيام، أعلن الكاتب الصحفي ياسر الزيات تأسيس «الشبكة المصرية للصحافة الاستقصائية»؛ وهي خطوة عبقرية تحمل معنى البقاء قبل أن تحمل معنى العمل، لأنها تُقيم جسرًا بين الصحفيين والحقائق، وتفتح مساحة للتقصي والتدقيق والشفافية.
رأيت في «الزيات» أيضًا رجلًا يصنع علامته الخاصة في حضوره، يضيف بصمته في أبنائه الصحفيين ـ وأنا أيضًا واحد منهم ـ بتدريباته وأفكاره، وفي كل صحفي ألهمه أن يبحث عن الحقيقة.
وهكذا يلتقي «الدسوقي والزيات» عند النقطة نفسها: أن البقاء لا يُؤجَّل إلى ما بعد الرحيل؛ إنه يُصنع الآن، بالكلمة، بالفعل، وبالقدرة على أن تترك علامة وأنت بيننا.
أن ترسخ حضورك في قلوب من تعلمهم وتشاركهم، فيمتد اسمك بما منحت وقدمت.
في النهاية، وجدت نفسي أبتسم وسط الدموع، كأن الحياة تهمس لي: «إن الذين يخلدون أثرًا لا يغيبون؛ فالموت لا سلطان له على الصادقين».
فهل نملك نحن الشجاعة لنصنع الأوفريندا الخاصة بنا ونحن أحياء مثلهم؟

تعليقات