يوليو الذي أعاد ترتيب العمر
كيف يمكن لشهر واحد أن يحمل كل هذا القدر من البهجة والدفء؟
كلما أقبل يوليو، تتوقف الأيام قليلا، وكأنها تفسح المجال للذاكرة كي
تتقدم، ربما لأنه الشهر الذي علمني أن بعض الأقدار لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تأتي
على مرحلتين، الأولى حين جئتِ إلى الدنيا، والثانية عندما شاء الله أن تصبحي شريكة
عمري.
ولهذا، كلما مرت بي كلمات أنغام: «هو أنت مين.. علشان في ثانية تشيل
حاجات وتهد رصة ذكريات، وتلخص العمر في يومين»، أبتسم.. لأنني لم أجد وصفا أدق لما
حدث منذ عرفتك، وكأن عمري كله أعاد ترتيب نفسه ليبدأ معك ويستمر بك.
لذلك لا أحتفل بعيد ميلادك فقط، ولا أستعيد ذكرى خطوبتنا وحدها، لكني
أحتفل بالحكاية كلها، بالحياة التي بدأت من تاريخين، واجتمعت في قلب واحد، وبيت
واحد، وأسرة واحدة.
في الحادي والعشرين من يوليو 2024، كنا نفتح بابا لعمر جديد، لم أعرف
يومها كيف ستتغير تفاصيل حياتنا، لكنني كنت أوقن أن الله كان يهيئ لي شيئا جميلا،
لم يكن الجمال في الحفل، أو الصور، أو التهاني، وإنما في الطمأنينة الغريبة التي
سكنت قلبي وأنا أراك، فمرت بخاطري كلمات أغنية هيثم شاكر: «حكايتنا كملت وكان في
وعد نفذته وشلتك في عينيا.. اسمك واسمي جنب بعض.. ولآخر عمري شريك فيا»، وكأنها
كتبت من أجل ذلك اليوم، يوم أصبح فيه الوعد بداية حكاية.
كان في داخلي يقين لا أعرف مصدره، بأن هذه اليد التي أمسكها اليوم
ستكون اليد التي أتمسك بها كلما تعبت، وكلما فرحت، وكلما ضاقت الدنيا واتسعت.
ومع الأيام، وجدت أن أروع ما فيك ليس ما يراه الناس، لكن ما لا يراه
إلا من عاش معك، آمنت أن الطيبة أسلوب حياة، والهدوء حكمة، والتسامح قدرة نادرة
على أن ينتصر القلب على الغضب، وربما لم يكن اسمك «بسمة» مصادفة، فمنذ عرفتك، صار
للبيت ابتسامة، حتى في الأيام التي حاول فيها التعب أن يسرقها منا.
كم مرة اختلفنا؟ لا أذكر.
لكنني لا أنسى أبدا أن الخلاف بيننا لم يكن يعرف الإقامة الطويلة،
وأن كلمة صادقة، أو اعتذارا من القلب، أو حضنا هادئا، كان كفيلا بأن يعيد كل شيء
إلى مكانه، وهذه نعمة لا يقدرها إلا من وجدها.
ثم جاءت الأيام لتختبر المعاني.
حين مرضت، لم أكن أرى تعبي بقدر ما كنت أرى خوفك عليّ، كنت أول من
يبحث عن الطبيب، وأول من يسأل عن الدواء، وأول من يطمئن، وآخر من ينام، وكأن
الدنيا كلها أصبحت مؤجلة حتى أتعافى.
وفي تلك الأيام، كلما رأيتك إلى جواري، تذكرت أغنية هيثم شاكر: «أنا
هفضل جنبك وأعيش سنيني معاك يا حبيبي كلها.. وهطمن قلبك وأملي عيني بأحلى دنيا أنا
شفتها»، فأدركت أنها أصبحت واقعا أعيشه معك، وفهمت أن الإنسان قد يشفى بالدواء،
لكنه يطمئن بمن يحب.
ثم رزقنا الله زاد.
وما أعجب أن يتحول الحب إلى وجه صغير نحمله بين أيدينا، وإلى ضحكة
تملأ البيت حياة، وإلى مستقبل ننظر إليه بكل الرجاء.
وكلما تأملتها، رأيت كيف جمع الله في ملامحها أجمل ما في رحلتنا:
حبنا وأحلامنا التي بدأت يوم وقفنا معا نرسم مستقبلا لا نعرف تفاصيله، لكننا كنا
نؤمن به.
واليوم، وأنا أكتب إليك، أكتشف أن كثيرا من الأغاني التي أحببناها
كانت تمر علينا، وكأنها تعرف حكايتنا، وحين أستمع إلى تامر عاشور وهو يغني: «كل ده
ومش عايز قلبي.. قلبي ده ما يبقاش على بعضه.. قلبي أصلا إنت واخده.. حبك إنت في
حتة لوحده»، فأجدني أبتسم، لأن قلبي لم يعد ملكي منذ عرف صاحبه الحقيقي.
وعندما يهمس: «في يوم زي النهارده أنا مش هرضى تسيبني ثانية فيه.. ده
أنا ما صدقت وصلت ليه».. فأتأكد أن بعض الأيام لا يجوز أن تمر مرورا عاديا، ومنها
عيد ميلادك، لأنه عيد لكل شيء جميل بدأ معك.
وأحيانا أستمع إلى أنغام، فكأن كلماتها تنطق بالسؤال الذي كان يسكن
داخلي: «الماضي إيه؟ الماضي مين؟ نسيت في حضنك اللي شوفته من السنين».. وحقا ما
قيمة الماضي إذا كان الحاضر يحمل كل هذا الدفء؟
ثم تأتي كلماتها الأخرى: «ده أنا بدعي من قلبي.. تفضل هنا جنبي.. يا
حبيبي طول عمري.. ما تقول آمين»، فأجدها ليست أغنية بالنسبة لي، بل دعاء أرفعه إلى
الله كل يوم.
يا بسمة..
لو خيرت أن أختصر كل ما أشعر به في دعاء واحد، لاخترت أن يبقيك الله
كما عرفتك دائما؛ طيبة القلب، هادئة الروح، باسمة الوجه، وأن يظل بيتنا عامرًا
بحضورك، وأن تكبر زاد وهي ترى في بيتنا المعنى الحقيقي للمودة والرحمة.
كل عام وأنت أجمل أقدار الله في حياتي.
وكل عام ويوليو يحمل لي عيدين، يوما جاء فيه إلى الدنيا أجمل إنسانة
عرفتها، ويوما بدأت فيه أجمل رحلة عشتها.
أما بقية العمر..
فأسأل الله أن يكتب لنا فيه فصولا جديدة من الحكاية نفسها، وأن يجعل
كل عام يمر علينا سببا جديدا لأن أقول لك: الحمد لله على اليوم الذي أصبحتِ فيه
زوجتي.
والآن فقط أعرف كيف استطاع يوليو أن يحمل كل هذا الدفء، لأنه الشهر
الذي منح الدنيا «بسمة»، ومنحني أنا العمر كله.









تعليقات