فاروق الدسوقي يكتب: من خالد عبدالعال إلى الأسطى عماد.. المجد للشقيانين

إذا أردت أن تَعرف لماذا بقيت مصر واقفة، رغم كل ما مر عليها، فلا تنظر طويلا إلى القمة، اخفض بصرك قليلا، إلى حيث لا تُرفَع الأوسمة، ولا تُنصَب المنصات، ولا تُلتقَط الصور التذكارية.

انظر إلى الرجل الذي خرج قبل الفجر يبحث عن رزق يومه، وإلى المرأة التي تُخفي تعبها خلف ابتسامة تمنح أبناءها طمأنينة لا تملكها هي، وإلى العامل الذي يعود آخر النهار وقد أثقل الغبار كتفيه، لكنه ما زال يجد في قلبه متسعا لينقذ غريبا لا يعرفه.

هناك، في ذلك الركن الهادئ الذي لا يعرف الضوضاء، يكمن السر الذي أبقى مصر واقفة، لا لأنها لم تعرف المِحَن، لكن لأنها، كلما اشتدت المحنة، أنجبت مِن بين بسطائها مَن يحملها.

هناك لحظات لا تنفع فيها المناصب، ولا تجدي فيها الألقاب، ولا يتقدم فيها إنسان على آخر إلا بما يحمله في قلبه، حين يقترب الخطر، لا يسأل: من أنت؟ ولا ماذا تعمل؟ ولا كم تملك؟ يسأل سؤالا واحدا فقط: مَن سيتقدم؟

وفي مصر، كانت الإجابة، في كل مرة تقريبا، تأتي من رجل بسيط خرج يبحث عن لقمة عيشه، فإذا به يجد نفسه يحمل أرواح الآخرين، فحين اشتعلت شاحنة الوقود داخل محطة تموين السيارات بمدينة العاشر من رمضان، لم يكن خالد عبدالعال يعرف أنه يكتب الفصل الأخير من حياته.

كل ما عرفه أن أمامه ثواني قليلة، إما أن يقفز فينجو، وإما أن يقود شاحنته المشتعلة بعيدا عن محطة الوقود لينجو الناس، فاختار الثانية، بينما كان الموت يجلس إلى جواره، وبعد أيام رحل متأثرا بحروقه، لكن مدينة كاملة نجت من كارثة كانت كفيلة بأن تغيِّر ملامح ذلك اليوم.

وعلى طريق آخر، لمح الأسطى عماد جلال سيارة نقل فقد سائقها السيطرة عليها، وكانت على وشك أن تنقلب وسط الطريق، لم يضغط على دواسة الوقود ليهرب، ولم يقل: «نفسي أولى»، لم يبحث عن طريق ينجو به، وجعل من تريلته جدارا بين الناس والكارثة، وكأن الحديد الذي يقوده خُلِق في تلك اللحظة ليحمي البشر، لا لينقل البضائع.

وفي الغربية، رأى أحمد البنا سيارة تغرق داخل الترعة، لم يُخرِج هاتفه، ولم ينتظر أحدا، ولم يسأل مَن بداخلها، خلع خوفه أولا، ثم ألقى بنفسه في الماء، خرجت الأسرة من قبضة الغرق إلى الحياة، وعاد هو إلى يومه، كأن إنقاذ الناس عمل لا يستحق أن يتحدث عنه.

وفي زفتى، كانت النيران تسبق الجميع، وكانت صرخات أم وثلاثة أطفال تمزِّق المكان، لكن محمد عبدالحميد لم ينتظر رجال الإطفاء، اقتحم ألسنة اللهب، وأخرج الأسرة من بين النيران، وبقيت النار شاهدة على أن بعض القلوب لا تخاف الاحتراق، بقدر ما تخاف التقصير.

لكن البطولة ليست دائمًا نارًا تُقتحَم، ولا ماء يُقفَز إليه، وأحيانًا تكون أكثر هدوءا، أن ينتصر الإنسان على نفسه، فيجد مالاً ليس له فيرده، ويعود إلى بيته متعبًا، لكنه يعود برغيف لم يخالطه الحرام، هذه أيضًا بطولات، وربما كانت أصعب، لأنها لا تُمارَس مرة واحدة، بل تتكرر كل يوم، فالضمير هو البطولة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يمارسها كل يوم.

ليست هذه الحكايات سوى فصول متفرقة من قصة واحدة، قصة وطن، كلما امتحنه الخطر، خرج من بين بسطائه مَن يكتب فصل النجاة التالي، فالبطولة، في هذا البلد، لا تولد في لحظة التصفيق، إنما في لحظة الاختيار، عندما يكون أمام الإنسان طريقان، أن ينجو بنفسه، أو أن يمنح النجاة لغيره، وهناك، تحديدا، يولد المعنى الحقيقي للوطن.

ولهذا، لا أتعجب حين أسمع جملة: «يا مصر.. بتعمليها إزاي؟»، فالإجابة لا تُكتَب في خطاب، ولا تُقال فوق منصة، بل تمشي كل صباح في الشوارع، ترتدي ملابس العمل، وتستقل المواصلات، وتعود آخر النهار مرهقة، لكنها، إذا طرق الخطر الباب، كانت أول مَن يفتح.

ولهذا بقيت مصر، ليس لأنها لم تعرف الأزمات، ولا لأنها لم تمر بأيام أثقل من الجبال، لكن لأنها، كلما ضاقت بها الدنيا، خرج من بين بسطائها مَن يوسع لها الطريق، مَن يحمل النار بعيدًا عن الناس، ومَن يسند مركبة توشك أن تنقلب، ومَن يقفز إلى الماء قبل أن يحسب عمره، ومَن يقتحم اللهب قبل أن يفكر في نفسه، ومَن يعيد مالاً كان قادرًا على تغيير حياته، لكنه آثر أن يبقى ضميره أغنى من جيبه.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن معظم الذين أنقذوا هذا الوطن لن يجدهم أحد في كتب التاريخ، ليس لأنهم أقل قيمة، لكن لأنهم كانوا منشغلين بصنع التاريخ، لا بكتابة أسمائهم داخله.

ولهذا، إذا سألت يوما: مَن يحمل مصر حين يتعب الجميع؟

فلا ترفع رأسك كثيرا نحو القمة، واخفضها قليلا نحو الأرض، حيث يمشي رجل لا يعرفه أحد، وثيابه متربة، ويداه خشنتان، وجيبه يكاد يكون فارغا، لكنه، إذا خيَّروه بين حياته وحياة غيره، اختار أن يدفع من عمره ثمنًا لنجاة إنسان لا يعرف اسمه، ذلك الرجل ليس مجرد مواطن، فهو الاسم الذي تكتبه مصر كلما سألها أحد: مَن يحملك؟

ولعل أعظم ما في هذا الوطن أنه كلما رحل خالد عبدالعال، أنجب خالدًا آخر، وكلما انتهت حكاية بطل، بدأ، في مكان ما، رجل بسيط يكتب الحكاية التالية، دون أن يدري أن وطنًا بأكمله سيبقى واقفًا بفضله.

ففي مصر، لا تموت البطولة برحيل أصحابها، لكنها تنتقل من قلب إلى قلب، ومن يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، حتى إذا تعب الوطن، وجد دائمًا مَن يحمله، في صمت، دون أن ينتظر شكرًا، أو يسعى إلى مجد، أو يطلب اسمًا في كتاب. 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى نقيب الصحفيين.. لماذا لم تأتِ؟

فاروق الدسوقي يكتب: الوقوع في حب مدرسة سناء منصور