فاروق الدسوقي يكتب: صورتك في الثمانينيات.. وكم نسخة ماتت منك؟
فجأة، صار بإمكانك أن ترى نفسك في زمن لم تعشه، صورة واحدة، وبعض الذكاء الاصطناعي، وها أنت تقف في شارع من شوارع الثمانينيات، بقميص لم ترتده يوما، وتسريحة لم تعرفها، وخلفك سيارة قديمة أو محل بواجهة باهتة، كأن أحدهم أخرج صورة من ألبوم عائلي قديم، وكتب عليها اسمك.الأغرب أن الصورة تبدو حقيقية، تبتسم وأنت تعرف أن تلك اللحظة لم تحدث أصلا، ومع ذلك، تشعر بشيء يشبه الحنين، فكيف تشتاق إلى زمن لم تعشه؟ربما لأن الإنسان لا يحن إلى الزمن بقدر ما يحن إلى الشخص الذي كان يمكن أن يكونه فيه، تتأمل الصورة قليلًا، ثم تجد نفسك أمام سؤال لا علاقة له بالثمانينيات، ماذا لو كنت وُلدت قبل ذلك بعشرين عامًا؟
فجأة، صار بإمكانك أن ترى نفسك في زمن لم تعشه، صورة واحدة، وبعض الذكاء الاصطناعي، وها أنت تقف في شارع من شوارع الثمانينيات، بقميص لم ترتده يوما، وتسريحة لم تعرفها، وخلفك سيارة قديمة أو محل بواجهة باهتة، كأن أحدهم أخرج صورة من ألبوم عائلي قديم، وكتب عليها اسمك.
الأغرب أن الصورة تبدو حقيقية، تبتسم وأنت تعرف أن تلك اللحظة لم تحدث أصلا، ومع ذلك، تشعر بشيء يشبه الحنين، فكيف تشتاق إلى زمن لم تعشه؟
ربما لأن الإنسان لا يحن إلى الزمن بقدر ما يحن إلى الشخص الذي كان يمكن أن يكونه فيه، تتأمل الصورة قليلًا، ثم تجد نفسك أمام سؤال لا علاقة له بالثمانينيات، ماذا لو كنت وُلدت قبل ذلك بعشرين عامًا؟
ربما كنت ستعمل في مهنة أخرى، تسكن شارعًا آخر، تعرف أصدقاء غير هؤلاء، تحب امرأة غير التي أحببتها، وتتزوجها، وتصبح أبًا لأطفال لا يشبهون أبناءك.ربما كنت ستسافر، وربما لم تكن لتسافر أبدًا، ربما كنت ستصبح شخصًا أفضل، وربما شخصًا أسوأ، لا أحد يعرف، لأن كل قرار اتخذته في حياتك لم يكن اختيارًا لطريق فحسب، لكنه كان وداعًا لطرق أخرى.عندما اخترت كلية، تركت كليات لم تدخلها، وحين اخترت مدينة، تركت مدنًا لم تعش فيها، أحببت شخصًا، فانتهت احتمالات أشخاص آخرين، وحين تزوجت، لم تختر شريك حياتك فقط، لكنك اخترت شكلًا كاملًا من الحياة، وأغلقت خلفك أبوابًا لحيوات لن تعرف أبدًا كيف كانت ستبدو.لهذا، ربما لا نعيش حياة واحدة تمامًا، نحن نعيش حياة واحدة، ونترك وراءنا عشرات الحيوات التي كان يمكن أن نعيشها، بعضها يموت بقرار، وبعضها يموت بخوف، وبعضها يموت لأننا تأخرنا يومًا واحدًا، وبعضها يموت لأننا قلنا: «لسه بدري»، ثم يأتي الزمن ليفعل شيئًا أكثر قسوة، يحتفظ لنا بصورنا القديمة، فتفتح صورة لك وأنت طفل، فتشعر أنك تنظر إلى شخص تعرفه ولا تعرفه، كان يضحك بهذه الخفة لأنه لم يكن يعرف بعد من سيغادر حياته.لم يكن يعرف أي حلم سيحققه، وأي حلم سيتركه على الرف، لم يكن يعرف أن بعض الوجوه التي تحيط به الآن ستتحول يومًا إلى أسماء، ثم إلى أرقام لا يتصل بها أحد، ثم إلى ذكريات، فالصورة القديمة لا تخبرك بما حدث، هي فقط تذكّرك بأن كل شيء كان يحدث للمرة الأولى.حتى الأشياء التي كنت تظن أنها ستتكرر إلى الأبد، آخر مرة جلست فيها مع أبيك دون أن تعرف أنها الأخيرة، آخر مكالمة مع صديق لم تعد تسمع صوته بعدها، آخر مرة دخلت فيها بيتًا ستغادره ولن تعود إليه بالشكل نفسه، آخر ضحكة، آخر حضن، آخر صباح عادي.المشكلة أن اللحظة الأخيرة لا ترتدي لافتة تقول انتبه، هذه المرة الأخيرة، تمر مثل أي لحظة، نؤجل مكالمة، نغادر المكان على عجل، نقول «بعدين»، ونظن أن الحياة ستعيد لنا المشهد متى أردنا.ثم نكتشف، بعد سنوات، أن بعض الأبواب لا تُفتح مرتين، وهنا يصبح ترند صورة الثمانينيات أكثر من مجرد لعبة، أنت لا تحاول أن تبدو قديمًا، ربما أنت تحاول، ولو للحظة، أن ترى الزمن قبل أن يبتعد، وجهًا لم تصبه الخسارات بعد، وجهًا لم يعرف من سيرحل، لم يسمع بعض الأخبار، لم يندم على بعض القرارات، لم يتعلم بعد أن الأشياء الجميلة لا تبقى لمجرد أننا نحبها.في فيلم «Inception»، كانت هناك طبقات من الأحلام، وكلما ظننت أنك استيقظت، اكتشفت أنك ما زلت داخل حلم آخر، لكن ربما الفيلم لم يكن يتحدث عن الأحلام وحدها، طفل، ثم مراهق، ثم شاب، ثم رجل، وفي كل مرة ننتقل إلى طبقة جديدة، نترك وراءنا شخصًا كان يسكننا، لا جنازة تقام له، لا أحد يخبرنا أنه رحل، فقط نستيقظ ذات صباح، فنكتشف أننا لم نعد الشخص الذي كنا عليه.والأغرب أن الشخص الذي أنت عليه الآن سيرحل هو الآخر، هذه النسخة منك التي تقرأ هذه الكلمات، وتفكر في أشياء بعينها، وتحب أشخاصًا بعينهم، وتقلق من أشياء بعينها، ستصبح يومًا ما صورة، ذكرى، شيئًا تنظر إليه بعد سنوات ولا تصدق أنك كنت تعيشه ذات يوم، ستقول: «إمتى كنت الشخص ده؟»وحينها لن تتمنى أن تعود إلى الثمانينيات، ستتمنى فقط أن تعود إلى اليوم، إلى هذه اللحظة تحديدًا، قبل أن تصبح ماضيًا، ربما كل ما نحتاجه هو أن ننتبه قليلًا، فالأيام التي نظنها عادية، هي نفسها التي سنبحث عنها يومًا في الصور، وأن نعرف أن بعض الجلسات لن تتكرر، وأن بعض الأصوات التي نسمعها اليوم ستصبح غدًا أكثر شيء نفتقده، وأن الشخص الذي أمامنا الآن قد يكون، دون أن نعرف، في آخر صفحة من قصته معنا.فأنت لا تعرف متى تكون هذه المرة هي الأخيرة، ولا تعرف كم نسخة منك ستولد بعد هذه اللحظة، لكن شيئًا واحدًا مؤكد، أنت الآن آخر نسخة وصلت إلى هنا، فلا تمرّ عليها كأنها عابرة، لأنها ستعبر فعلًا، وسيأتي يوم تفتح فيه صورة قديمة، تراها، وتبتسم بحزن لأنك تفتقد ذلك الشخص، ثم تدرك الحقيقة متأخرًا، أن الشخص الذي تفتقده في الصورة، هو أنت الآن، كان واقفًا أمامك طوال الوقت، وأنت كنت مشغولًا بانتظار الغد.
ربما كنت ستعمل في مهنة أخرى، تسكن شارعًا آخر، تعرف أصدقاء غير هؤلاء، تحب امرأة غير التي أحببتها، وتتزوجها، وتصبح أبًا لأطفال لا يشبهون أبناءك.
ربما كنت ستسافر، وربما لم تكن لتسافر أبدًا، ربما كنت ستصبح شخصًا أفضل، وربما شخصًا أسوأ، لا أحد يعرف، لأن كل قرار اتخذته في حياتك لم يكن اختيارًا لطريق فحسب، لكنه كان وداعًا لطرق أخرى.
عندما اخترت كلية، تركت كليات لم تدخلها، وحين اخترت مدينة، تركت مدنًا لم تعش فيها، أحببت شخصًا، فانتهت احتمالات أشخاص آخرين، وحين تزوجت، لم تختر شريك حياتك فقط، لكنك اخترت شكلًا كاملًا من الحياة، وأغلقت خلفك أبوابًا لحيوات لن تعرف أبدًا كيف كانت ستبدو.
لهذا، ربما لا نعيش حياة واحدة تمامًا، نحن نعيش حياة واحدة، ونترك وراءنا عشرات الحيوات التي كان يمكن أن نعيشها، بعضها يموت بقرار، وبعضها يموت بخوف، وبعضها يموت لأننا تأخرنا يومًا واحدًا، وبعضها يموت لأننا قلنا: «لسه بدري»، ثم يأتي الزمن ليفعل شيئًا أكثر قسوة، يحتفظ لنا بصورنا القديمة، فتفتح صورة لك وأنت طفل، فتشعر أنك تنظر إلى شخص تعرفه ولا تعرفه، كان يضحك بهذه الخفة لأنه لم يكن يعرف بعد من سيغادر حياته.
لم يكن يعرف أي حلم سيحققه، وأي حلم سيتركه على الرف، لم يكن يعرف أن بعض الوجوه التي تحيط به الآن ستتحول يومًا إلى أسماء، ثم إلى أرقام لا يتصل بها أحد، ثم إلى ذكريات، فالصورة القديمة لا تخبرك بما حدث، هي فقط تذكّرك بأن كل شيء كان يحدث للمرة الأولى.
حتى الأشياء التي كنت تظن أنها ستتكرر إلى الأبد، آخر مرة جلست فيها مع أبيك دون أن تعرف أنها الأخيرة، آخر مكالمة مع صديق لم تعد تسمع صوته بعدها، آخر مرة دخلت فيها بيتًا ستغادره ولن تعود إليه بالشكل نفسه، آخر ضحكة، آخر حضن، آخر صباح عادي.
المشكلة أن اللحظة الأخيرة لا ترتدي لافتة تقول انتبه، هذه المرة الأخيرة، تمر مثل أي لحظة، نؤجل مكالمة، نغادر المكان على عجل، نقول «بعدين»، ونظن أن الحياة ستعيد لنا المشهد متى أردنا.
ثم نكتشف، بعد سنوات، أن بعض الأبواب لا تُفتح مرتين، وهنا يصبح ترند صورة الثمانينيات أكثر من مجرد لعبة، أنت لا تحاول أن تبدو قديمًا، ربما أنت تحاول، ولو للحظة، أن ترى الزمن قبل أن يبتعد، وجهًا لم تصبه الخسارات بعد، وجهًا لم يعرف من سيرحل، لم يسمع بعض الأخبار، لم يندم على بعض القرارات، لم يتعلم بعد أن الأشياء الجميلة لا تبقى لمجرد أننا نحبها.
في فيلم «Inception»، كانت هناك طبقات من الأحلام، وكلما ظننت أنك استيقظت، اكتشفت أنك ما زلت داخل حلم آخر، لكن ربما الفيلم لم يكن يتحدث عن الأحلام وحدها، طفل، ثم مراهق، ثم شاب، ثم رجل، وفي كل مرة ننتقل إلى طبقة جديدة، نترك وراءنا شخصًا كان يسكننا، لا جنازة تقام له، لا أحد يخبرنا أنه رحل، فقط نستيقظ ذات صباح، فنكتشف أننا لم نعد الشخص الذي كنا عليه.
والأغرب أن الشخص الذي أنت عليه الآن سيرحل هو الآخر، هذه النسخة منك التي تقرأ هذه الكلمات، وتفكر في أشياء بعينها، وتحب أشخاصًا بعينهم، وتقلق من أشياء بعينها، ستصبح يومًا ما صورة، ذكرى، شيئًا تنظر إليه بعد سنوات ولا تصدق أنك كنت تعيشه ذات يوم، ستقول: «إمتى كنت الشخص ده؟»
وحينها لن تتمنى أن تعود إلى الثمانينيات، ستتمنى فقط أن تعود إلى اليوم، إلى هذه اللحظة تحديدًا، قبل أن تصبح ماضيًا، ربما كل ما نحتاجه هو أن ننتبه قليلًا، فالأيام التي نظنها عادية، هي نفسها التي سنبحث عنها يومًا في الصور، وأن نعرف أن بعض الجلسات لن تتكرر، وأن بعض الأصوات التي نسمعها اليوم ستصبح غدًا أكثر شيء نفتقده، وأن الشخص الذي أمامنا الآن قد يكون، دون أن نعرف، في آخر صفحة من قصته معنا.
فأنت لا تعرف متى تكون هذه المرة هي الأخيرة، ولا تعرف كم نسخة منك ستولد بعد هذه اللحظة، لكن شيئًا واحدًا مؤكد، أنت الآن آخر نسخة وصلت إلى هنا، فلا تمرّ عليها كأنها عابرة، لأنها ستعبر فعلًا، وسيأتي يوم تفتح فيه صورة قديمة، تراها، وتبتسم بحزن لأنك تفتقد ذلك الشخص، ثم تدرك الحقيقة متأخرًا، أن الشخص الذي تفتقده في الصورة، هو أنت الآن، كان واقفًا أمامك طوال الوقت، وأنت كنت مشغولًا بانتظار الغد.

تعليقات