فاروق الدسوقي يكتب: سجدة ميار الشوربجي

لم تكن ميار الشوربجي تعرف، وهي تفتح كتابا بعد آخر، أن الطريق الذي يبدأ من صفحة صغيرة قد ينتهي بها واقفة على منصة عربية في دبي، تحمل علم مصر، وتسمع اسمها معلنا بطلة لتحدي القراءة العربي في دورته العاشرة.

طفلة في الحادية عشرة من عمرها، جاءت من برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، لتفوز بلقب عربي كبير، بعد أن قرأت ستين كتابا، وخاضت رحلة من الاجتهاد والمثابرة انتهت بلحظة تستحق أن نتوقف أمامها طويلا، لكن وسط صور التتويج ودرع التكريم وفرحة الفوز، كانت هناك صورة أخرى أكثر قربا إلى القلب، ميار تسجد شكرا لله، وعلم مصر معها.

كان أول ما فعلته بعد إعلان فوزها أن سجدت شكرا لله، لا تحتاج تلك اللحظة إلى تعليق طويل، طفلة حققت حلما، فبدأت فرحتها بالسجود، مشهد بسيط في ظاهره، لكنه جمع في لحظة واحدة فرحة النجاح وامتنان صاحبته.

ستون كتابا لم تكن مجرد رقم في سجل المسابقة، كانت ستين نافذة فتحتها ميار على عوالم مختلفة، وستين فرصة لتتعلم وتكتشف وتوسع خيالها، ومن مدرستها في برج البرلس، انتقلت إلى منافسة عربية، لتثبت أن المسافة بين مكان صغير ومنصة كبيرة لا تحددها الجغرافيا، وإنما تصنعها الرغبة في التعلم والعمل.

ولم تكن فرحة ميار وحدها في تلك اللحظة، فبعيدا عن دبي، كان مصريون يتابعون خبر فوزها، ويتناقلون صورتها، ويهنئون طفلة لم يلتقوا بها، وربما لم يسمعوا باسمها من قبل، لم تكن بينهم صلة عائلية أو معرفة شخصية، لكنهم وجدوا أنفسهم فرحين بها، كأن نجاحها خبر يخص كل بيت.

ما أجمل أن تجد نفسك سعيدا بإنجاز إنسان لم تقابله يوما، لمجرد أنه يحمل اسم بلدك، يحدث ذلك حين يحرز لاعب هدفا، أو يحقق عالم إنجازا، أو تتألق فنانة في محفل دولي، واليوم يحدث مع طفلة اختارت أن يكون الكتاب طريقها إلى منصة التتويج.

فنجاح أبناء الوطن لا يبقى حبيس أصحابه، يمتد أثره إلى كل من يرى فيه دليلا على أن أحلاما كبيرة يمكن أن تبدأ من أماكن لا يلتفت إليها أحد، وعندما تكون صاحبة الإنجاز طفلة، تصبح الفرحة مصحوبة بسؤال لا يقل أهمية عن التهنئة: كم ميار أخرى تنتظر فرصة كي نكتشفها؟

في حكاية ميار ما يستحق أن يصل إلى البيوت والمدارس، فالقراءة ليست واجبا مدرسيا ينتهي بانتهاء الامتحان، ولا عددا من الكتب نضيفه إلى قائمة الإنجازات، إنها طريقة لاكتشاف العالم، وتوسيع الخيال، وبناء عقل يستطيع أن يرى أبعد من حدود المكان الذي نشأ فيه.

وموهبة الأطفال لا تكبر وحدها، تحتاج إلى أسرة تشجع، ومعلم يكتشف، ومدرسة تمنح أبناءها مساحة للمحاولة، لذلك، لا ينبغي أن ينتهي الاحتفاء بميار عند صورتها المتوجة، بل أن يمتد إلى كل طفل يقرأ في فصل متواضع، أو يستعير كتابا، أو يبحث عن فرصة ليظهر ما يستطيع فعله.

لا نعرف كل ما دار في قلب ميار وهي تسجد، ولا نحتاج إلى أن نتخيل عنها كلمات لم تقلها، يكفينا ما رأيناه، طفلة اجتهدت، وفازت، وكان أول تعبير لها عن فرحتها سجدة شكر، بينما كان علم مصر معها في لحظة ستظل في ذاكرتها.

قد تعود ميار إلى برج البرلس، إلى مدرستها وأصدقائها وكتبها، وقد تبدأ رحلة جديدة نحو حلم آخر، لكن قصتها تترك وراءها سؤالا يستحق أن يشغلنا: كم طفلا يملك موهبة تنتظر من يراها، وكم حلما يمكن أن يبدأ بكتاب نضعه في يد صاحبه؟

في دبي، سجدت ميار شكرا لله، وفي بيوت مصر ابتسم أناس لم يعرفوها من قبل، لم يسمعوا صوتها، ولم يلتقوا بها، لكنهم وجدوا أنفسهم جزءا من فرحتها، وهكذا خرجت حكاية طفلة من برج البرلس من حدود مدينتها، لتصل إلى قلوب وطن كامل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: ماذا لو حضرت هدى شعراوي درس التاريخ؟

فاروق الدسوقي يكتب: لماذا نوقظ الموتى؟

فاروق الدسوقي يكتب: إلى ابني.. وصايا من حكمة يعقوب وعزيمة صلاح