فاروق الدسوقي يكتب: نادي الرجال السري
لطالما اعتقدت أن الرجال أبسط مما تظن، كانت هذه نظريتها القديمة، كانت تظن أن الرجل يقول ما يريد، ويفعل ما يريد، ويغضب حين يغضب، ويضحك حين يضحك، ثم أحبت رجلًا، فاكتشفت أنها كانت مخطئة.
كان الرجل الذي أحبته يشبه بيتًا تعرف عنوانه، وتعرف لون بابه، لكنها لم تكن تعرف أين يخفي المفتاح، كان له عالم آخر، عالم لا تدخله.
وفي ليلة طويلة، بينما كان نائمًا إلى جوارها، بدأت تفتش في رأسها عن تفسير لكل الأشياء التي لم تفهمها فيه.
لماذا يصمت عندما يزدحم داخله الكلام؟ لماذا يقول «أنا كويس» في الأيام التي يبدو فيها كمن يحمل جبلًا فوق صدره؟ ولماذا يستطيع أن يسألها عشر مرات: «أكلتي؟ وصلتي؟ خدي بالك من نفسك؟» لكنه يعجز عن قول جملة صغيرة مثل: «أنا محتاجك»؟
في تلك الليلة، سمّت سره في خيالها «نادي الرجال السري»، وبدأت تكتشف قوانينه.
القاعدة الأولى: إذا كنت تستطيع حل مشكلتك وحدك، فلا تخبر أحدًا بها، ولهذا قد يعود الرجل إلى بيته وهو يحمل يومًا كاملًا فوق كتفيه، ثم يجيب عن السؤال المعتاد: «مالك؟»، بكلمة واحدة: «ولا حاجة»، ولا تعني «ولا حاجة» أنه لا يوجد شيء، أحيانًا تعني أن هناك أشياء كثيرة جدًا، لدرجة أنه لا يعرف من أين يبدأ، وأحيانًا تعني: «دعيني أصل إلى نفسي أولًا»، وأحيانًا.. تعني فقط أنه لا يريد أن يراكِ وأنت ترين حجم التعب الذي يحاول إخفاءه.
أما القاعدة الثانية: لا تعترف بأنك خائف، يمكن للرجل أن يقول إنه غاضب، يمكنه أن يقول إنه مشغول، يمكنه حتى أن يقول إنه لا يهتم، لكن أن يقول: «أنا خايف»؟
فهذه جملة ثقيلة، الرجل لا يخاف فقط من المرض، أو الفقر، أو الموت، لكنه يخاف من أن يفشل أمام الذين يعتمدون عليه، يخاف أن يصبح أبًا لا يتذكره أبناؤه إلا باعتباره الرجل الذي كان يعمل طوال الوقت، يخاف أن يكتشف يومًا أنه قضى عمره كله يحاول أن يكون جيدًا بما يكفي، ثم اكتشف أن «بما يكفي» لم تكن موجودة أصلًا، يخاف أن يخسر الشخص الذي يحبه، ويخاف أكثر أن يخسره وهو عاجز عن إصلاح ما حدث.
القاعدة الثالثة: إذا جرحتك كلمة، لا تُظهر أنها جرحتك، فالرجل قد ينسى ألف موقف جميل، لكنه قد يحمل في ذاكرته جملة واحدة جعلته يشعر بأنه قليل، قد لا يتذكر متى بدأ الخلاف، لكنه يتذكر النظرة التي شعر معها فجأة أنه لم يعد كما كان في عين من أمامه.
ولهذا فإن بعض الرجال لا يغادرون الأشخاص حين يبتعدون، يبقون معهم لسنوات؛ في جملة، في أغنية، في شارع، في رائحة مكان، في صورة لم يفتحها منذ زمن، ليس لأنهم يريدون عودتهم، ولكن لأن الإنسان لا يخرج بسهولة من الأشياء التي غيّرته.
وهناك غرفة أخرى داخل النادي لا يدخلها أحد إلا في الليل، هي غرفة المقارنات، فهناك، يجلس الرجل وحده أحيانًا ويسأل نفسه أسئلة لن يسمعها أحد: هل أنا ناجح فعلًا؟ هل أصبحت الشخص الذي كنت أظن أنني سأكونه؟ لماذا سبقني فلان؟ لماذا أملك كل هذا وما زلت أشعر أنني متأخر؟ هل أولادي فخورون بي؟ هل زوجتي ما زالت تراني كما كانت تراني في البداية؟ هل أبي، لو كان هنا، كان سيقول عني: «أحسنت»؟
أسئلة كثيرة لا تصل إلى مواقع التواصل، ولا تظهر في الصور، ولا يعرفها الأصدقاء، لأن الرجل تعلم مبكرًا أن عليه أن يعرض النتيجة، لا أن يعرض المعركة.
ومن أغرب قواعد النادي أن الرجل الذي يحتاج إلى الحنان، غالبًا لا يعرف كيف يطلبه، قد يقطع مئات الكيلومترات ليطمئن على شخص يحبه، قد يصلح شيئًا في البيت دون أن يقول إنه فعله من أجل أحد، قد يشتري شيئًا صغيرًا ويضعه في مكانه وكأنه أمر عادي، قد يسأل: «وصلتي؟»، ثم ينتظر كلمة «آه» ليعود إلى صمته.
لكن أغرب قواعد النادي، أن الرجل قد يحتفظ بالأشياء التي لا يفهم أحد لماذا يحتفظ بها، مفتاح لا يفتح شيئًا، تذكرة قديمة، صورة باهتة، قلم توقف عن الكتابة، كانت تسأل: «محتفظ بده ليه؟»، فيقول: «معرفش»، ثم فهمت.
هو لا يحتفظ بالشيء، لكنه يحتفظ بالزمن الذي جاء معه، المفتاح ليس مفتاحًا، والصورة ليست صورة، إنها قطعة من حياة لم يعد يستطيع العودة إليها، ولأن الحنين لا يملك دائمًا جملة مناسبة.. يضعه في درج.
ثم اكتشفت أن القواعد لم تكن تخص الرجل وحده، بعضها كان يخص الطفل الذي كانه ذات يوم، الطفل الذي سقط فضحك الآخرون، الذي بكى فمسح دموعه سريعًا، الذي احتاج إلى حضن، فكبر وهو يجيد إعطاءه ولا يجيد طلبه.
وهنا فهمت شيئًا لم تفهمه من قبل، فنحن أحيانًا نحاول أن نفهم الرجل الذي أمامنا، بينما هو نفسه يقضي سنوات في محاولة فهم الطفل الذي يسكن داخله.
وفي آخر الليل، عندما ينام الجميع، يذهب الرجل إلى أكثر أماكن النادي سرية، يجلس وحده، لا يريد نصيحة، ولا حلًا، ولا يريد حتى أن يتحدث، يريد فقط أن يتوقف العالم قليلًا، أن يضع رأسه على شيء آمن، أن يسمع صوتًا يقول له، من دون أسئلة: «أنا عارف إنك تعبت».
لكن الرجل لا يقول ذلك، يفتح هاتفه، يتصفح بلا هدف، يشاهد شيئًا قديمًا، يضحك على مقطع سخيف، ثم يضع الهاتف إلى جواره ويطفئ النور، وفي الظلام يسمح لنفسه، للمرة الأولى في اليوم، أن يكون الرجل الذي لا يراه أحد.
أما «نادي الرجال السري»؟ فليس له عنوان، ولا أعضاء معروفون، ولا اجتماعات معلنة، تبدأ عضويته في اللحظة التي يتعلم فيها الصبي أن يمسح دموعه بسرعة قبل أن يراه أحد، وتستمر معه وهو يكبر، حتى يصبح رجلًا، ويتعلم أن يقول: «أنا تمام»، حتى في الأيام التي لا يكون فيها تمامًا.
لكنها، مع الوقت، توقفت عن محاولة اقتحام النادي، لم تعد تفتش عن المفتاح، لم تعد تسأله عشر مرات: «مالك؟»، ولم تعد تلاحقه حين يصمت، فهمت أن بعض الصمت ليس ابتعادًا، وأن بعض «أنا كويس» ليست كذبة، بل طريقة رجل لم يتعلم بعد كيف يقول: «أنا تعبت».
وعندما تراه قويًا، ستحبه، وحين تراه ضعيفًا، ستحبه أكثر، وحين يقول: «أنا كويس»، وتعرف أنه ليس كذلك، لن تستخدم معرفتها ضده، ستجلس فقط إلى جواره، لأنها فهمت أخيرًا أن بعض الأبواب تُفتح بالأمان.
وربما كان هذا هو السر الذي لم يخبرها به أحد، أن الرجل لا يحتاج دائمًا إلى امرأة تفهمه كله، أحيانًا يحتاج فقط إلى امرأة لا تجعله يخاف من أن يكون مفهومًا، امرأة لا تستخدم لحظة انكساره ضده، ولا تجعله يشعر أنه أصبح أقل رجولة لأنه بكى، امرأة يستطيع أمامها أن يخلع درعه، لا شخصيته، وأن يقول أخيرًا، بلا خوف: «أنا تعبت»، فتجيبه: «أنا هنا»، عندها فقط، يغلق الرجل باب «النادي»، ليس لأنه لم يعد لديه أسرار، ولكن لأنه، للمرة الأولى في حياته، وجد مكانًا لا يحتاج فيه إلى إخفائها.
تعليقات