فاروق الدسوقي يكتب: ربطت شعرها ودخلت وسط النيران.. ليه مستغربين؟
في اللحظات العادية، لا تعني حركة صغيرة شيئا، أن تربط فتاة شعرها قبل أن تبدأ يومها، أو تشد خصلاته إلى الخلف، أو ترفع كميها استعدادا لشيء ما، كلها تفاصيل عابرة لا تستوقف أحدا، لكن الأشياء الصغيرة تتغير معانيها حين تحاصرها النيران.
في مشهد متداول من حادث مول أرابيلا،
ظهرت فتاة وسط حالة من الفوضى والدخان، بينما كان الخوف يدفع الناس بعيدا عن مكان
الخطر، في مشهد استوقف كثيرين، ودفعهم إلى الإشادة بشجاعتها ومحاولتها مساعدة
الآخرين.
توقفت أمام المشهد طويلا، ليس لأنني
أريد أن أصنع من فتاة ظهرت في لحظة خطر أسطورة، ولا لأنني أحب أن نوزع ألقاب
البطولة على الناس بعد كل حادث، ولكن لأن سؤالا واحدا ظل يلح عليَّ: ليه
مستغربين؟
لماذا تبدو شجاعة المرأة، كلما ظهرت
أمام أعيننا، وكأنها مفاجأة؟ لماذا نحتاج إلى حريق أو حادث أو كاميرا حتى نكتشف أن
هناك امرأة تستطيع أن تنسى نفسها في اللحظة التي يحتاج فيها إنسان آخر إلى يد تمتد
إليه؟
ربما لأننا اعتدنا على البطولة
الصامتة إلى درجة أننا لم نعد نراها، فالأم المصرية التي تجلس إلى جوار طفلها
المريض حتى الفجر، وهي بالكاد تقوى على الوقوف، لا تقول لنفسها إنها بطلة، هي فقط
أم.
والزوجة التي تقف بجوار زوجها حين
تضيق به الدنيا، وتعيد ترتيب البيت والحسابات والأحلام حتى لا يشعر أن كل شيء
انهار، لا تنتظر شهادة تقدير، هي فقط زوجة.
والأخت التي تترك راحتها لتقف إلى
جوار أخيها في أزمة، أو تحمل عنه جزءًا من مسؤولياته، لا تنشر على حسابها أنها
قدمت تضحية، هي فقط أخت.
والابنة التي تعيد ترتيب حياتها من
أجل أبيها أو أمها حين يحتاجان إليها، لا ترى أنها فعلت شيئا استثنائيا، هي فقط
ابنة.
وهذه هي الحكاية التي لا ننتبه إليها
كثيرا، فالمرأة المصرية لا تحتاج إلى كارثة كي تعرف معنى التضحية؛ هي تمارسها في
التفاصيل: في المستشفى، والبيت، والطريق، وطابور طويل، ورحلة علاج، وأزمة مالية،
وفي ليلة لا ينام فيها أحد، وفي صباح جديد تبدأ فيه يومها رغم أنها لم تنم، ولم
تسترح، وربما لم تجد من يسألها أصلا: إنتِ كويسة؟
ولعل واحدة من أقسى صور هذه التضحية
ما حدث في أسيوط في ديسمبر 2024، عندما سقط ميكروباص في ترعة الإبراهيمية، وكانت
شريهان عثمان صدقي بداخله مع طفلتيها.
في لحظات الخطر، لم تفكر الأم في
نفسها أولا، ألقت طفلتيها خارج السيارة قبل غرقها، فنجتا، بينما بقيت هي داخل
الميكروباص وفارقت الحياة، وبعد عشرة أيام من البحث، عُثر على جثمانها.
قد تبدو القصة، حين نقرأها الآن،
كأنها مشهد مكتوب للسينما، لكنها لم تكن سينما، كانت أما مصرية في لحظة لا تملك
فيها سوى ثوان قليلة، اختارت فيها أن تذهب حياة ابنتيها إلى النجاة، حتى لو لم
تذهب حياتها معها.
وفي السويس، لم تكن الحكاية أما تنقذ
أبناءها هذه المرة، وإنما امرأة رأت طفلا يتعرض لمحاولة خطف، فتدخلت دون تردد، السيدة
المعروفة باسم «أم أسامة» اعترضت سيارة الخاطفين وحاولت لفت انتباه المارة
والجيران، في وقت ساهم فيه عطل السيارة في إفشال محاولة الخطف، ثم كرمها محافظ
السويس تقديرا لموقفها.
وهنا بالضبط تكمن الحكاية، المرأة
المصرية لا ترى دائما الحدود التي نراها نحن، لا تقول: هذا ابني، وهذا ابن غيري،
عندما ترى طفلا في خطر، قد يصبح طفلها، وحين ترى إنسانا يحتاج إلى النجدة، قد
يتراجع السؤال: ما شأني؟ أمام
سؤال آخر أكثر بساطة: أقدر أساعده إزاي؟
وهذه هي النقطة التي تجعل مشهد فتاة
أرابيلا يستحق التوقف، لسنا بحاجة إلى أن نعرف ماذا كان يدور داخل قلبها حتى نفهم
قيمة المشهد، يكفي أن نرى إنسانا يتحرك ناحية الخطر بينما يتحرك آخرون بعيدا عنه،
وأن نعرف أن هناك لحظة يصبح فيها التفكير في الآخرين أقوى من غريزة النجاة.
لكنني لا أريد أن تنتهي الحكاية عند
فتاة أرابيلا، أريد أن أعود بها إلى كل بيت مصري، إلى الأم التي لا تنام إلا بعد
أن تطمئن على الجميع، إلى الزوجة التي تخفي قلقها كي تمنح زوجها بعض القوة، إلى
الأخت التي تحمل عن إخوتها ما لا يعرفون أنه كان ثقيلا عليها، إلى الابنة التي تكبر
فجأة حين يحتاج إليها أب أو أم، وإلى المرأة التي تعود من يوم طويل، فتجد أن البيت
ما زال يحتاج إليها، فتبدأ من جديد دون أن تسأل أحدًا إن كان قد لاحظ تعبها، وربما
لو سألناها نفسها ستقول ببساطة: وأنا عملت إيه يعني؟
وهنا تكمن عظمة الحكاية، أن يكون
الشيء الذي نراه نحن بطولة، هو عند صاحبه مجرد واجب، أن تفعل المرأة ما تستطيع
لإنقاذ من يحتاج إليها، ثم تمضي، أن تختار الآخرين في اللحظة التي كان يمكن أن
تختار فيها نفسها، أن تتعب ولا تتوقف، أن تخاف ولا تهرب، أن تنكسر، ثم تحاول ألا
يسقط من تحب.
نعم، من حق فتاة أرابيلا أن نحييها،
ومن حقها أن نقول لها: أنتِ بطلة، لكن ربما من
حقنا نحن أيضا أن نتوقف قليلا أمام معنى البطولة نفسه، فليس كل ما تفعله المرأة
المصرية بطولة في نظرها، هي لا تنتظر لقبا، ولا شهادة تقدير، ولا تصفيقا، إنها
تفعل ما تراه واجبا، ثم تعود إلى بيتها.
ولهذا، ربما آن لنا أن نتوقف عن
الدهشة، ففتاة أرابيلا ليست استثناء من النساء المصريات، إنها واحدة منهن، وما
فعلته ليس غريبا عنهن، إنها فقط فعلت، أمام الكاميرا، ما تفعله نساء كثيرات كل يوم
في صمت.
تعليقات