فاروق الدسوقي يكتب: لماذا نحب مصر؟

 لم أسأل نفسي يومًا: لماذا أحب مصر؟

كنت أظن أن الأمر لا يحتاج إلى تفسير، تمامًا كما لا يسأل الإنسان نفسه لماذا يحب أمه، أو لماذا يشتاق إلى بيت طفولته كلما ابتعد عنه؟

لكن في إحدى الليالي، بينما كنت أتابع نشرات الأخبار التي تتحدث عن الحروب والخراب والنزوح، وجدت السؤال يتسلل إليّ بهدوء: لماذا نحب مصر؟

هل لأننا وُلدنا فوق هذه الأرض فحسب؟ أم لأن بيننا وبينها شيئًا أعمق من مجرد شهادة ميلاد وجنسية مكتوبة في بطاقة؟

أغلقت التلفاز، وتركت السؤال يتمدد داخلي، حاولت أن أجيب بإجابة منطقية، مرتَّبة، تشبه إجابات الكتب المدرسية، لكنني فشلت، فمصر لا تُحَب بالعقل وحده، مصر حالة، وإحساس، وحكاية طويلة تسكن الدم قبل أن تسكن الخرائط.

تذكرت أول مرة خرجت فيها وحدي إلى الشارع طفلاً، لم أكن أعرف شيئًا عن التاريخ، ولا عن الحضارات، ولا عن الجغرافيا، لكنني كنت أعرف وجه بائع الخبز الذي يبتسم للجميع، وعم إبراهيم، البواب الذي كان يسألني كل صباح عن المدرسة، والمرأة التي كانت تضع كوب الماء أمام بيتها للعابرين في الصيف، كنت أحب هؤلاء دون أن أدري أنني أحب مصر من خلالهم.

فمصر ليست النيل وحده، ولا الأهرامات وحدها، ولا آلاف السنين المكتوبة في كتب التاريخ، مصر هي الناس الذين يجعلون الحياة ممكنة رغم كل شيء.

كبرت قليلا، وعرفت أن لهذا البلد عادة غريبة، كلما ظننت أنه انكسر، اكتشفت أنه ينهض، وكلما تصوَّرت أنه وصل إلى آخر الطريق، وجدته يبدأ من جديد.

بلد يشبه الفلاح الذي ينحني على أرضه منذ الفجر، ثم يعود في اليوم التالي وكأنه لم يتعب قط، والأم التي تخبئ دموعها حتى لا يراها أبناؤها، والجندي الذي يقف على الحدود في عز الحر والبرد، بينما ينام الملايين مطمئنين، والعامل الذي يحمل البلد فوق كتفيه دون أن يعرف أحد اسمه، ربما لهذا نحبه، لأنه يشبه أفضل ما فينا.

ثم سألت نفسي: هل نحب مصر لأنها جميلة؟

نعم.

لكن ليس ذلك الجمال الذي تلتقطه الصور السياحية، لكنه جمال آخر، في الأزقة القديمة التي تحفظ أسرار أهلها، وصوت المؤذن المختلط بأجراس الكنائس، والنيل وهو يمر هادئًا كأنه يحرس ذاكرة الوطن، والضحكة المصرية التي تنجو من أصعب الظروف، والقدرة العجيبة على تحويل الألم إلى نكتة، والخوف إلى أمل، والهزيمة إلى بداية جديدة.

وفي لحظة صدق، أدركت أن حب مصر ليس دائمًا سهلاً، أحيانًا نغضب منها، نختلف معها، نحزن لأجلها، نخاف عليها، نشتكي من أوجاعها كما يشتكي الابن من مرض أمه، لكننا لا نتوقف عن حبها، لأن الحب الحقيقي لا يعني أن ترى الكمال، بل أن ترى العيوب كلها، ثم تختار البقاء.

تذكَّرت وجوه الذين رحلوا وهم يحلمون بها أفضل، الجنود الذين لم يعودوا إلى بيوتهم، العمال الذين أفنوا أعمارهم في بنائها، المعلمين الذين زرعوا العلم في عقول أبنائها، الأطباء الذين سهروا على مرضاها، الأمهات اللاتي ودَّعن أبناءهن إلى مستقبل مجهول وقلوبهن معلقة بالدعاء، كل هؤلاء تركوا شيئًا من أرواحهم هنا، وكأن مصر ليست مجرد أرض نسكنها، إنما أرواح متراكمة، جيلاً بعد جيل.

وعندها فقط، وجدت الإجابة التي كنت أبحث عنها، نحب مصر لأنها تشبه ذاكرتنا، وطفولتنا، وأحلامنا الأولى، نحبها لأنها كانت هنا قبلنا، وستبقى بعدنا، ولأن في كل شارع حكاية، وفي كل حجر أثر إنسان، وفي كل بيت قصة صبر لا تنتهي، وحين نسافر، يحملنا الحنين إليها، وحين نتعب، نبحث عنها، وحين نفرح، نريدها أن تفرح معنا، وحين نخاف، نتمسك بها أكثر.

ببساطة.. نحب مصر لأنها، مهما تغيَّر العالم، تبقى المكان الوحيد الذي لا نشعر فيه أننا غرباء، ولأن الإنسان قد يجد أوطانًا كثيرة على الخريطة، لكنه لا يجد في عمره كله سوى مصر واحدة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فاروق الدسوقي يكتب: رسالة إلى أنغام.. حين يُصبح صوتكِ دواءً

فاروق الدسوقي يكتب: أوفريندا «الدسوقي».. وعبقرية «الزيات»

فاروق الدسوقي يكتب: قارب نجاة.. ماذا يفعل الموتى في سريري؟