فاروق الدسوقي يكتب: من خالد عبدالعال للأسطى عماد.. هل حان وقت رد الجميل؟
في المقال السابق، طرحت سؤالا بدا بسيطا في ظاهره، لكنه حمل معنى أكبر من كلماته: من يحمل مصر؟ وكانت الإجابة واضحة أمامنا، في وجوه رجال لم يبحثوا عن بطولة، لكنها ذهبت إليهم.
يحملها الشهيد خالد عبدالعال، وهو يقود شاحنته المشتعلة بعيدا عن محطة الوقود لينجو الناس، ويحملها الأسطى عماد جلال، حين جعل من تريلته جدارا بين البشر والكارثة، ويحملها أحمد البنا، وهو يقفز إلى الماء لينتزع أسرة كاملة من قبضة الغرق، ويحملها محمد عبدالحميد، وهو يقتحم النيران قبل أن يفكر في سلامته.
لكن، بعد أن انتهيت من الكتابة، ظل سؤال آخر يطرق ذهني بإلحاح، وربما كان أكثر أهمية من السؤال الأول: من يحمل الذين يحملون مصر؟

هذا المقال ليس تكرارا لحديثنا الماضي، لكنه امتداده الطبيعي، فهو دعوة إلى ألا تنتهي البطولة بزوال الخبر، ولا ينقضي الوفاء بانتهاء مراسم التكريم، إنه محاولة لتحويل الامتنان من شعور عابر إلى مشروع يبقى.
نحن نجيد الاحتفاء بالبطولة، والتصفيق، وكتابة كلمات الرثاء إذا رحل الأبطال، لكننا، في كثير من الأحيان، لا نجيد أن نحول البطولة إلى منظومة، ولا الموقف النبيل إلى ثقافة، ولا التضحية إلى مشروع وطني يعيش بعد انتهاء الأحداث.
لذلك، فإن هذه الكلمات ليست عن بطولة جديدة، لكنها عن واجب جديد، لأن الأوطان لا تكبر فقط بمن يضحون من أجلها، إنما تكبر أيضا عندما تعرف كيف تحفظ الذين ضحوا من أجلها.
لقد اعتدنا أن نتعامل مع البطولة باعتبارها لحظة استثنائية، رجل ينقذ آخر، شاب يقفز إلى النار، عامل يواجه الموت، ثم ينتهي المشهد، لكن الحقيقة أن البطولة ليست لحظة، وإنما رأس مال أخلاقي لأي مجتمع، وحين تهمل الأمم هذا الرصيد، فإنها لا تخسر أشخاصًا فقط، لكنها تخسر الرسالة التي يحملونها، فخالد عبدالعال لم ينقذ محطة وقود فحسب، إنما منح ملايين المصريين شعورا بأن الشهامة ما زالت ممكنة.
والأسطى عماد لم يمنع حادثا فقط، لكنه ذكّر الناس بأن هناك من يضع الآخرين قبل نفسه. وأحمد البنا لم ينقذ أسرة من الغرق، لكنه أنقذ إيمانًا قديمًا بأن الخير لا يزال يسكن القلوب، هذه القيم لا تقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو تنموي، وربما كانت هي التي تمنح كل مشروع روحه.
ولهذا، أعتقد أن الوقت قد حان لأن ننتقل من الاحتفاء بالأبطال إلى صناعة بيئة تُنبت الأبطال وتحفظهم، نريد أن تصبح البطولة ثقافة، وأن يتحول التكريم من مجرد صورة، أو درع، أو كلمات مؤثرة، إلى التزام.
تخيلوا لو أطلقنا مشروعًا وطنيًا يحمل اسم «دفتر الوفاء»، مشروعًا لا يبحث عن المشاهير، لكنه يبحث عن الناس الذين أنقذوا إنسانًا، أو تحمّلوا الخطر، أو قدموا مصلحة الآخرين على أنفسهم، يوثق قصصهم، ويحفظ أسماءهم، ويرعى أسر من فقدوا حياتهم وهم يؤدون واجبًا إنسانيًا، ويكرم من لا يزالون بيننا قبل أن يتحولوا إلى صور على صفحات الجرائد، وتتحول قصصهم إلى مواد تُروى في المدارس والجامعات، حتى يعرف الأطفال أن البطولة ليست قوة عضلات، وإنما قوة ضمير.
ولماذا لا يكون لكل محافظة سجل لأبطالها المدنيين؟ ولماذا لا يكون هناك يوم سنوي للاحتفاء بأبطال الحياة اليومية؟ ولماذا لا يشارك القطاع الخاص والمجتمع المدني في دعمهم، باعتبارهم ثروة أخلاقية لا تقل قيمة عن أي ثروة أخرى؟
فالمجتمع الذي يحترم هذه النماذج، سيجد دائمًا من يهب لنجدته عندما تأتي اللحظة الصعبة، أما المجتمع الذي لا يرى إلا أصحاب الأضواء، فسيفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج القدوة.
إن التحدي الحقيقي لم يعد أن نعثر على بطل جديد، بل أن نصنع مجتمعًا يشعر فيه كل صاحب موقف نبيل أن وطنه يعرفه، ويقدره، ويحفظ حقه، وهو ما يزال حيًا.
في المقال الأول، كان السؤال: من يحمل مصر؟ واليوم، أظن أن السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا هو: من يحفظ الذين يحملون مصر؟
فإذا استطعنا أن نجيب عنه بالفعل، لا بالكلمات، سنكون قد انتقلنا من تمجيد البطولة إلى صناعة البطولة، ومن الاحتفاء بالأبطال إلى حماية الأبطال، وعندها فقط، لن يكون خالد عبدالعال، أو الأسطى عماد، أو أحمد البنا، أو محمد عبدالحميد، مجرد أسماء نتذكرها في لحظات التأثر، وسيصبحون بداية مشروع وطني كبير يقول لكل من يحمل هذا الوطن بصمت: لسنا نراك فقط، لكن نحفظ لك ما قدمته، ونحمل معك ما حملته من أجلنا.
وإذا كانت مصر قد بقيت واقفة لأن رجالًا بسطاء حملوها في أشد اللحظات قسوة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحملهم هم، قبل أن يأتي يوم لا نجد فيه إلا صورهم، ونكتشف متأخرين أن أفضل وقت لرد الجميل كان وهم ما زالوا بيننا.
تعليقات