فاروق الدسوقي يكتب: نادي النساء السري
قال صديقي ذات مساء، بثقة رجل اكتشف أخيرا سرا من أسرار الكون: «أنا عارف مراتي كويس جدًا»، ابتسمت وسألته: «قد إيه يعني؟»، قال وهو يرفع حاجبه بغرور: «عارف بتحب إيه، وبتكره إيه، وإمتى بتزعل، وإمتى بتبقى مبسوطة، دي مراتي بقالنا سنين».
لم أجادله، فقط تخيلت زوجته وهي تسمعه من بعيد، وتبتسم ابتسامة امرأة تعرف أن الرجل قد يعيش معها عشرين عاما، ويظل هناك جزء منها لم يره بعد، قد يعرف لونها المفضل، ولا يلاحظ أنها لم تعد تحبه، وقد يعرف وجبتها المفضلة، لكنه لا يعرف ما الذي تتمنى أن يحدث لها يوما، وما الذي تخفيه في قلبها لأنها لم تجد الكلمات المناسبة لتطلبه.
وقد يعرف كيف تبدو حين تغضب، لكنه لا يعرف كم فكرة مرت في رأسها قبل أن تغضب أصلا، وهنا فكرت أن للنساء ناديا سريا، عضويته تبدو متاحة لكل امرأة تعلمت أن تحمل يومها بيد، والغد باليد الأخرى.

وهذه، على ما يبدو، بعض قواعده، الأولى أنها قد تعيش اليوم وهي تفكر في عام 2036، فالرجل قد يفكر في العشاء، بينما تفكر المرأة في المدرسة التي سيدخلها ابنها بعد سنوات، هو يسأل: هنروح فين الجمعة؟، وهي قد تكون تسأل نفسها: ولو فضلنا في البيت ده خمس سنين، هيبقى مناسب؟
ليس لأنها ترى المستقبل، ولا لأنها تريد أن تعقد الحياة، لكن بعض النساء يشعرن بالأمان حين يعرفن أن هناك طريقًا أمامهن، قد لا تكون الخطة ثابتة، وقد تتغير عشر مرات، لكن مجرد التفكير فيها يمنحهن إحساسًا بأن الغد ليس مجهولًا بالكامل.
ولهذا قد يسألها الرجل عن شيء سيحدث بعد سنوات، فتفاجئه بأنها فكرت فيه بالفعل، ليس المطلوب أن يعرف الرجل الإجابة، ربما يكفي أحيانًا أن يقول: تعالي نفكر فيها سوا.
أما القاعدة الثانية: في حقيبتها أشياء ليوم لم يأتِ بعد، فالرجل يرى حقيبة، أما المرأة، ففي كثير من الأحيان، تراها صندوقًا صغيرًا للاحتمالات، مناديل، شاحن، دواء، قلم، قطعة حلوى، زجاجة مياه، وأشياء أخرى لا يفهم الرجل لماذا تحملها معها كل يوم، يسألها: إنتِ شايلة كل ده ليه؟، فتجيبه ببساطة: يمكن نحتاجه.
وهذه الـ«يمكن» ليست كلمة عابرة، قد تحتاجه هي، أو يحتاجه طفل، أو صديقة، أو حتى موقف لم يحدث بعد، فهي لا تحمل فقط ما تحتاجه الآن، وإنما تحمل أيضًا ما قد تحتاجه الحياة منها بعد قليل.
أما القاعدة الثالثة: داخل رأسها غرفة لا يدخلها أحد، فقد تجلس أمامك وتستمع إليك، بينما في رأسها تحدث أشياء أخرى، تتذكر موعدًا، تراجع رسالة، تفكر في شخص تحبه، تتذكر شيئًا نسيته في البيت، تقلق على طفل، تستعيد جملة قيلت لها صباحًا، ثم تعود فجأة إلى الحديث.
قد يبدو الأمر شرودًا، لكنه أحيانًا ليس شرودًا، إنه ازدحام، فبعض النساء تعلمن، تحت ضغط التفاصيل والمسؤوليات، أن يحملن أكثر من حكاية في اللحظة نفسها، ولهذا قد تكون جالسة أمامك بكامل حضورها، بينما نصف عقلها يحاول ألا ينسى شيئًا ينتظرها في مكان آخر.
القاعدة الرابعة: لا تقيس الأشياء بثمنها، فقد يحتفظ الرجل بقميص قديم لأنه لسه ينفع، وقد تحتفظ المرأة بقطعة ملابس انتهى زمن استخدامها منذ سنوات، هو يرى قطعة قماش، هي ترى يومًا كاملًا، صورة قديمة، هدية، مكانًا، وجهًا لم يعد موجودًا، فالمرأة، مثل الرجل، لا تحتفظ بكل شيء، لكنها أحيانًا تعرف أن بعض الأشياء لا تُقاس بقيمتها، وإنما بالحكاية التي التصقت بها، ولهذا قد يبدو الشيء صغيرًا في عينك، بينما يشغل في ذاكرتها مساحة أكبر بكثير من حجمه.
القاعدة الخامسة: تغيرها لا يعني أنها ضاعت، فقد تحلم ببيت، ثم تكتشف أنها تريد بيتًا مختلفًا، قد تسعى إلى وظيفة، ثم تجد نفسها في طريق آخر، قد تتمنى حياة مليئة بالمغامرات، ثم تكتشف أن الهدوء هو ما كانت تبحث عنه طوال الوقت، وقد تقول شيئًا في الثلاثين لم تكن لتقوله في العشرين، هذا ليس تناقضًا بالضرورة، إنها الحياة، فالإنسان لا يتغير لأن أحلامه كانت خاطئة، لكن لأنه اكتشف نفسه أكثر.
ولهذا، حين تقول المرأة: أنا مش عايزة ده دلوقتي، لا تذكّرها دائمًا بأنها كانت تريده قبل سنوات، فربما المرأة التي أحببتها في البداية لم تختفِ، ربما فقط كبرت.
أما القاعدة السادسة: بعض الأسئلة أبواب للذكريات، فحين تقول: فاكر أول مرة رحنا المكان ده؟، قد لا تكون مهتمة بالمكان أصلًا، هي تسأل عنكما، عن اليوم الذي كنتما فيه شخصين آخرين، عن ضحكة قديمة، عن حلم كان صغيرًا وقتها وكبر معكما، وقد تكون الإجابة التي تنتظرها ليست: آه، فاكر، لكن: فاكر طبعًا.. كنا وقتها، ثم تكمل، لأنها لا تبحث عن معلومة، إنها تبحث عن لحظة تعودان إليها معًا.
القاعدة السابعة: أكثر ما يتعبها أحيانًا أن تكون ذاكرة البيت، من يتذكر موعد الطبيب؟ من يعرف موعد المدرسة؟ من يذكر الزيارة المؤجلة؟ من يحفظ في ذاكرته أن أحد الأبناء لا يحب نوعًا معينًا من الطعام؟ من لا يغفل الهدية؟ من يسترجع الوعد؟
قد لا تكون كل هذه الأشياء مسؤوليتها وحدها، لكنها كثيرًا ما تجد نفسها الشخص الذي يعرفها، ويتذكرها، وينبه الجميع إليها، ولهذا قد لا يكون أكثر ما تتمناه في بعض الأيام أن يساعدها أحد في تنفيذ مهمة، ربما تريد فقط أن يأتي أحدهم ويقول: أنا فاكر. سيبها عليّ، أن تشعر، ولو مرة، أن الذاكرة ليست معلقة كلها في رأسها.
أما القاعدة الأخيرة: لا تظن أنك عرفت المرأة
عدت إلى صديقي، قلت له: طيب، عارف هي نفسها عايزة إيه بعد عشر سنين؟ ضحك وقال: عشر سنين إيه؟ أنا لسه مش عارف هنروح فين الجمعة الجاية! ضحكت، لكنني أدركت شيئًا أهم.
المسألة ليست أن المرأة تفكر أبعد، أو أن الرجل يفكر أقرب، ولا أن أحدهما يفهم الحياة أكثر من الآخر، المسألة أن لكل إنسان طريقته في حمل الحياة، لكننا نرتكب خطأً كبيرًا حين نخلط بين معرفة التفاصيل ومعرفة الإنسان، قد تعيش مع امرأة سنوات، وتعرف طعامها المفضل، ولا تعرف ما الذي يجعلها تشعر بالأمان.
قد تعرف أحلامها القديمة، ولا تعرف الحلم الذي وُلد بداخلها أمس، وقد تسمع كل حكاياتها، دون أن تنتبه إلى الحكاية التي لم تجد الشجاعة بعد لترويها، ربما لهذا لم يكن «نادي النساء السري» مكانًا أحتاج إلى دخوله، كان يكفيني أن أفهم أن المرأة التي أمامي ليست دورًا واحدًا في حياتي، ليست زوجة فقط، ولا أمًا فقط، ولا ابنة فقط، إنها إنسانة كاملة، لها ماضٍ لم أشهده، وأفكار لا أسمعها، وأحلام تتغير، ونسخ كثيرة منها لم ألتقِ بها بعد.
وربما يكون أجمل ما يستطيع الرجل أن يفعله ليس أن يحفظ المرأة عن ظهر قلب، لكن أن يظل مستعدًا لاكتشافها، أن يسأل دون تحقيق، وأن يستمع دون استعجال، وأن يفهم أن الحب لا يعني أن تنتهي أسرار الآخر، فأجمل العلاقات ليست تلك التي تعرف فيها كل شيء عن من تحب، لكنها تلك التي تجعلك، بعد كل هذه السنوات، تقول في دهشة: ما زال هناك شيء جديد أريد أن أعرفه عنك.
تعليقات