فاروق الدسوقي يكتب: ألبيرتو.. الصديق الذي أحببنا أكثر من لوكا
في اللحظة التي نزل
فيها المطر، لم يكن لوكا يخشى البلل، كان يخاف أن يراه الناس، قطرة ماء واحدة كانت
كافية لتسقط القناع الذي ارتداه طفل صغير طوال رحلته، وتكشف السر الذي أخفاه عن
الجميع، فالطفل الذي ركض في شوارع مدينة بورتوروسو الإيطالية، وحلم بدراجة
«فيسبا»، وضحك مع البشر، لم يكن إنسانًا، كان وحش بحر.
تغيرت الوجوه، وتوقفت الضحكات، وعاد الخوف القديم إلى عيون أهل البلدة، لكن لوكا لم يكن الوحش الذي يجب أن يخاف منه أحد، كان طفلًا خائفًا من وحش آخر يسكن داخله اسمه الخوف.
وهنا بالضبط تكمن حكاية الفيلم الكارتوني الشهير «لوكا» الحقيقية، فالقصة التي تبدو للوهلة الأولى مجرد مغامرة لطيفة لطفل من وحوش البحر، تخفي وراء ألوانها المبهجة سؤالًا إنسانيًا شديد القسوة: ماذا لو عرف الناس حقيقتنا؟ هل سيحبوننا كما نحن؟ أم سيحكمون علينا قبل أن يعرفونا؟

كان لوكا يعيش في
أعماق البحر مع أسرته، محاطًا بالحب والخوف في الوقت نفسه، والداه يريدان حمايته،
ولذلك أخبراه أن البشر خطر، وأن الاقتراب من السطح مغامرة قد تنتهي بكارثة، لكنه
كان يمتلك شيئًا أقوى من الخوف، هو الفضول، ذلك الشعور الذي يدفع الإنسان للنظر
خلف الحدود التي رسمها الآخرون له، والسؤال عما يوجد في الجهة الأخرى من العالم.
وهكذا خرج لوكا إلى
السطح، وهناك قابل ألبيرتو، ذلك الطفل المتهور الذي لا يعرف كيف يجلس هادئًا،
والمستكشف الذي يرى العالم كله مغامرة، والمؤمن بأن «الفيسبا» ليست مجرد دراجة، بل
تذكرة للانطلاق بعيدًا عن كل القيود، كان ألبيرتو من النوع الذي يمكن أن يوقعك في
مشكلة وهو يضحك، لكنه سيكون أول شخص يقف بجانبك عندما تبدأ المشكلة فعلًا.

ولهذا أحببناه، ليس
لأنه كان شخصية مثالية، لكن لأنه كان صديقًا حقيقيًا، لم يقل له كلامًا كبيرًا عن
مواجهة الخوف، ولم يعطه دروسًا طويلة عن الشجاعة، فقط أمسك بيده، أخرجه من الماء، علمه
كيف يمشي، عرفه على الدراجة، ثم فتح معه باب حلم الحصول على الفيسبا.
وبالنسبة إلى طفلين
صغيرين، لم تكن الفيسبا مجرد دراجة، كانت حلمًا بالحرية، وطريقًا إلى عالم لا توجد
فيه كلمة «ممنوع»، كانا يتخيلان نفسيهما ينطلقان بها بعيدًا، بلا آباء يطلبون
منهما التوقف، وبلا خوف يخبرهما أنهما لن يستطيعا، وكان ألبيرتو، من حيث لا يدري،
يمنح لوكا أعظم هدية يمكن أن يمنحها إنسان لصديقه، أن يجعله يصدق أن حياته أكبر من
المكان الذي ولد فيه.
ثم جاءت جوليا، الصديقة
الجديدة التي فتحت أمام لوكا بابًا آخر لم يكن يعرفه، فهو كان يريد في البداية أن
يرى العالم فقط، لكنها جعلته يريد أن يفهمه، حدثته عن المدرسة، والكتب، والنجوم،
والفضاء، وعن عالم أكبر بكثير من البحر الذي عاش داخله، وهنا يقدم الفيلم واحدة من
أجمل رسائله، التي تتلخص في أن المعرفة لا تجعل الإنسان يعرف أكثر فقط، لكنها تجعله
يخاف أقل.

فكلما عرف لوكا
العالم، اكتشف أن كثيرًا من الأشياء التي أخبروه أنها مخيفة لم تكن كما تخيل، وهذه
ليست حكاية لوكا وحده، كم مرة نخاف شيئًا لأن أحدًا أخبرنا أنه مخيف؟ كم مرة نحكم
على إنسان لأننا لم نقترب منه؟ كم مرة نرفض المختلف قبل أن نعرف حكايته؟
لكن أجمل ما في
الفيلم ربما كان ألبيرتو نفسه، ذلك الفتى الذي يبدو شجاعًا، صاخبًا، وكأنه لا يخاف
شيئًا، كان يحمل داخله خوفًا عميقًا من الوحدة، وهنا نفهم أن بعض الأشخاص لا يبدون
أقوياء لأنهم لا يشعرون بالألم، لكن لأنهم لا يريدون لأحد أن يرى هشاشتهم.
عندما بدأ لوكا يقترب
من جوليا ومن حلم المدرسة، شعر ألبيرتو أنه يفقد صديقه، ظهرت الغيرة، وظهر الغضب،
وبدأت الخلافات بينهما، لكن الفيلم قدم معنى جميلًا للصداقة، فالصديق الحقيقي ليس
من لا يختلف معك، إنما من يختلف معك دون أن يمحوك، من يغضب منك، لكنه لا يتمنى لك
السقوط، من يرى أخطاءك، لكنه يجد دائمًا مكانًا لك في قلبه.
ثم جاء «برونو»، ذلك
الصوت الذي يسكن داخل رأس لوكا ويقول له: لا تجرب، ستفشل، ماذا سيقول الناس؟ ابقَ مكانك، لا
تخاطر، فاختار ألبيرتو أن يعطي هذا الصوت اسمًا، وهو برونو، ومن هنا جاءت الجملة
التي أصبحت واحدة من أشهر عبارات الفيلم: اخرس يا برونو!

جملة تبدو مضحكة في
فيلم للأطفال، لكنها في الحقيقة تختصر معركة يعيشها كل إنسان، لأن لكل واحد منا
«برونو» خاصًا به، صوت يخيفه من البداية، من الحب، والتغيير، والاعتذار، والحلم، والمحاولة،
والصديق الحقيقي لا يقتل هذا الصوت من أجلك، لكنه يجعلك تكتشف أنه ليس أقوى منك، يجعلك
تسمعه، ثم تختار ألا تطيعه.
ثم تأتي لحظة المطر، تنكشف
الحقيقة، يسقط السر، ويعود الخوف القديم، لكن في اللحظة التي كان يمكن أن يهرب
فيها لوكا، يعود من أجل ألبيرتو، وهنا تتغير الأدوار، الطفل الذي كان ألبيرتو
يسحبه من يده، أصبح قادرًا على الوقوف بجواره، وهذه واحدة من أجمل لحظات الفيلم، أن
يأتي يوم لا يعود فيه صديقك بحاجة إلى أن تنقذه، لأنك تكتشف أنه أصبح قادرًا على
إنقاذك أنت.
ثم تأتي محطة القطار،
لوكا ذاهب إلى المدرسة، وألبيرتو باقٍ، كان يمكنه أن يقول له: خليك، كان يمكنه أن
يتمسك به، خصوصًا أنه أكثر شخص يعرف ألم الوحدة، لكنه يفعل العكس، يساعده على
الرحيل، لأنه اكتشف أخيرًا أن الصديق الحقيقي لا يقول لمن يحبه: ابقَ معي، لكن يقول: اذهب، وأنا سعيد لأنك ستصل، وهنا يصبح الرحيل
ليس نهاية الصداقة، بل أجمل دليل على صدقها.

ربما لهذا أحببنا
ألبيرتو، لأننا رأينا فيه شخصًا نعرفه، صاحبًا يدخل حياتك بلا استئذان، يضحك معك،
يورطك، يشجعك، يختلف معك، يسامحك، ثم يقف في أصعب لحظة وكأنه يقول: أنا هنا، وربما بعد انتهاء الفيلم لا يبقى
السؤال: هل عندنا ألبيرتو؟ بل السؤال الأصعب: هل نحن ألبيرتو في حياة أحد؟
هل شجعنا شخصًا خائفًا؟ هل قلنا لأحد: جرّب؟ هل وقفنا بجوار صديق عندما ابتعد الجميع؟ هل فرحنا بنجاح شخص، حتى عندما أخذه نجاحه بعيدًا عنا؟
تعليقات