فاروق الدسوقي يكتب: يا كابتن حسام.. مصر أكبر من الخناقة دي!
بعض الأشياء تفقد قيمتها كلما اقتربت منها أعين الناس، وهناك أبواب، أجمل ما فيها أنها بقيت مغلقة، في زمن صار فيه كل شيء معرضا للكاميرا، وكل خلاف مرشحا للانتشار، وكل لحظة غضب قادرة على أن تتحول إلى عنوان، أصبحت المحافظة على الحياة الخاصة نوعا من الشجاعة.
لذلك لا أكتب اليوم عن خناقة، ولا أريد أن أعرف من بدأ، ومن أخطأ، ومن قال ماذا، لكني أكتب عن شيء أكبر من ذلك بكثير، أكتب إلى حسام حسن.
إلى
الرجل الذي صنعته الملاعب قبل أن تصنعه الشهرة، الذي ارتدى قميص مصر في أيام كان
فيها اسم المنتخب وحده كافيا لأن يجعل ملايين المصريين يقفزون من مقاعدهم.
كابتن
حسام.. منذ سنوات طويلة، وأنت تعرف شيئا لا يعرفه إلا من عاش عمره في المنافسة، أن
أقسى اللحظات هي تلك التي يكون عليك فيها أن تسيطر على نفسك، فالكرة قد تفلت منك،
والهدف قد يسكن شباكك، والحكم قد يخطئ، والجمهور قد ينقلب عليك، لكن اللاعب العظيم
يعرف أن المباراة لم تنتهِ بعد، وأنت اليوم في مباراة أكبر.
ليست
مباراة بين فريقين، ولا تحتاج إلى حكم أو صافرة، إنها مباراة الإنسان مع لحظة
غضبه، وأنا لا أقول لك هذا من موقع الناصح، ولا أملك أصلا أن أحاسبك على حياتك الخاصة،
أقولها من موقع شخص يرى أن هناك أسماء تصبح، بمرور السنوات، أكبر من أصحابها،
واسمك واحد منها، لأن حسام حسن لم يعد فقط الرجل الذي لعب كرة القدم، أنت اليوم
مدرب منتخب مصر، وهذه ليست وظيفة عادية.
إنها
واحدة من تلك المواقع التي تجعل صاحبها يحمل معه صورة بلد كامل، حتى في اللحظة
التي لا يريد فيها سوى أن يكون إنسانا، وهذه واحدة من أقسى ضرائب الشهرة، أن يظل
الإنسان مطالبا بأن يكون رمزا، حتى في اللحظة التي يريد فيها أن يعيش كأي إنسان
آخر، فالرموز بشر، تغضب، وتتعب، وتختلف، وتخطئ، لكن عيون الناس تظل مفتوحة، حتى عندما
يغلق أصحابها أبوابهم.
ولهذا
أتمنى منك شيئا واحدا فقط، لا تسمح للحظة أن تكون أكبر من تاريخك، لقد احتجت إلى
سنوات طويلة حتى تصنع صورتك في ذاكرة المصريين، سنوات من الركض، والأهداف،
والصدام، والانتصار، والهزيمة، فلا تمنح لحظة واحدة القدرة على كتابة سطر فوق كل
ذلك.
وهنا
أتذكر امرأة مصرية اختارت، في زمن الشهرة السهلة، طريقا أكثر هدوءا، ماجي صادق،
زوجة اللاعب الدولي محمد صلاح، عندما صار زوجها واحدا من أشهر لاعبي كرة القدم في
العالم، كان بإمكانها أن تجعل من حياتها نافذة مفتوحة على العالم، كان يمكن لكل
سفر أن يصبح صورة، ولكل مناسبة حكاية، ولكل لحظة عائلية محتوى، ولكل تفصيلة بابا
جديدا للمتابعين، لكنها اختارت شيئا آخر، أن تظل حياتها لها، ظهرت حين يستحق
حضورها، وغابت حين تكون الحياة أحق بها.

لم
تجعل الجمهور شريكا في بيتها، ولم تحول شهرة زوجها إلى منصة تعرض عليها تفاصيل
حياتها، ومع الوقت، حدثت المفارقة الجميلة، كلما قل ظهورها، زادت قيمة حضورها،
وكلما احتفظت بحياتها بعيدا عن العيون، ازداد احترام الناس لها، لم تكن تحتاج إلى
أن تتحدث كثيرا حتى تكون حاضرة، كان غيابها نفسه نوعا من الحضور، ولست أضع ماجي
أمامك لتتعلم منها، فلكل إنسان طريقه، ولكل بيت ظروفه، وإنما أتذكرها لأن قصتها
تقول شيئا بسيطا نحتاج أن نتذكره جميعا، أن الخصوصية ليست ضعفا، الخصوصية قوة، أن
يعرف الناس اسمك، دون أن يعرفوا كل أسرارك، أن يروا نجاحك، دون أن يصبح بيتك ملكا
لهم، أن تملك الشجاعة لتقول هذه اللحظة لي، وهذه العائلة لي، وهذا الباب لن أفتحه.
وأنت
يا كابتن، ربما تحتاج إلى هذه المساحة أكثر من غيرك، ليس لأنك مدرب منتخب مصر فقط،
وإنما لأنك قضيت عمرا طويلا في الضوء، والضوء جميل، لكنه قاس، يكشف حتى الأشياء
التي كان من الأفضل أن تبقى في الظل، لذلك لا أريد منك أن تشرح كل شيء، ولا أن
تدافع عن كل شيء، ولا أن تدخل في سباق مع مواقع التواصل لإثبات رواية أو نفي أخرى،
دع التفاصيل لأصحابها، ودع الناس تتحدث، فالضوضاء عمرها قصير، أما الصورة التي
صنعها الإنسان في سنوات عمره، فهي أطول بكثير.
أنت
لا تحتاج إلى أن تنتصر في كل نقاش، يكفي أن تظل واقفا في المكان الذي يعرفك فيه
المصريون، على خط منتخب مصر، هناك، حيث لا يريد الناس أن يعرفوا ماذا حدث خلف
الأبواب، بقدر ما يريدون أن يعرفوا ماذا سيحدث داخل الملعب، يريدون حسام حسن الذي
يعرفونه، الرجل الواقف على الخط، والعين التي تراقب، والصوت الذي يوجه، والروح
التي لا تقبل الهزيمة.
ولهذا،
ربما تكون أفضل إجابة على كل ما يدور الآن أن تتركه يمر، ولا تمنح كل كلمة قيلت
عنك شرف أن تحصل على رد منك، فبعض الكلام يموت إذا لم نطعمه بالاهتمام، وبعض
المعارك تنتهي بمجرد أن يقرر أحد أطرافها ألا يخوضها، وأحيانا تكون أعظم قوة في
الرجل أن يستطيع أن يقول لنفسه، أنا أستطيع الرد، لكنني لن أفعل، ليس خوفا، ولا
ضعفا، ولا هروبا، لكن لأن هناك أشياء أكبر، وأنت لديك شيء أكبر، لديك منتخب مصر،
ولديك اسم صنعته على مدار عقود، ولديك صورة في ذاكرة المصريين لم تصنعها كاميرا،
ولا إعلان، ولا تريند، صنعتها أنت، بقدميك، وعرقك، وسنوات طويلة من الدفاع عن قميص
بلدك، فلا تسمح للحظة عابرة أن تعبث بها.
كابتن حسام، أتمنى أن تهدأ النفوس، وأن تبقى تفاصيل البيت داخل البيت، وأن تجد كل مشكلة طريقها إلى الحل بعيدا عن الكاميرات، ثم تعود أنت إلى مكانك، إلى الخط، والملعب، ومصر، لأن هناك معارك كثيرة في الحياة، لكن ليس علينا أن نخوضها كلها، وهناك انتصارات كثيرة، لكن ليست كلها تحتاج إلى جمهور، وربما تكون البطولة هذه المرة مختلفة عن كل البطولات التي عرفتها، أن تنتصر على اللحظة، ثم تمضي، هادئا، قويا، ومقاتلا من أجل مصر.
تعليقات